كُتاب الرأي

الوطن… ذاكرة القلب وهوية الروح

الوطن… ذاكرة القلب وهوية الروح

بقلم: بكري بن معتوق عساس

«وللأوطان في دمِ كلِّ حرٍّ
يدٌ سلفتْ ودَيْنٌ مستحقُّ.»
— أحمد شوقي

ليس الوطن حدودًا تُرسَم على الخرائط، ولا اسمًا يُكتب في الوثائق الرسمية، بل هو ذاكرة الإنسان، ولسان هويته، ومهد طفولته، وملاذ روحه. في الوطن تتشكل الملامح الأولى، وتكبر الأحلام، وتُنسج العلاقات، ولذلك ظل حب الوطن من أنبل المشاعر الإنسانية وأرسخها، حتى أصبح غريزةً لا تحتاج إلى برهان.

وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الفطرة وهو يغادر مكة مكرهًا فقال: «والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». ففي هذا الموقف الخالد تتجلى أسمى معاني الوفاء والانتماء.

والوطن ليس منحةً نتلقاها فحسب، بل رسالة نؤديها. فهو يمنح أبناءه الأمن والهوية والكرامة، وينتظر منهم الوفاء والعمل والإخلاص. وقد لخّص أحمد شوقي هذا المعنى حين جعل للوطن دينًا في أعناق الأحرار.

وعبر التاريخ بقيت الأوطان عزيزة بأبنائها المخلصين، بينما لم تخلد صفحات التاريخ من فرّطوا في أوطانهم. وتتداول بعض المصادر مقولة منسوبة إلى أدولف هتلر: «إنني أكرمكم ولكن لا أحترمكم»، وهي رواية غير موثقة تاريخيًا، غير أن معناها يعكس حقيقة مفادها أن خيانة الوطن لا تكسب صاحبها احترامًا.

والوطنية الصادقة ليست شعارات، وإنما هي إتقان في العمل، وأمانة في المسؤولية، واحترام للأنظمة، وصون للممتلكات العامة، وإسهام في البناء والتنمية. وفي المملكة العربية السعودية يتجسد هذا المعنى في الالتفاف حول القيادة الرشيدة، والمحافظة على وحدة الصف، والمشاركة في تحقيق النهضة، انطلاقًا من قيم الدين والولاء والانتماء.

لقد أثبتت التجارب أن الأوطان تبنى بالعلم والعمل، لا بالكلمات وحدها. وكل مواطن مسؤول عن أن يترك أثرًا نافعًا في وطنه، لأن الحضارات لا تقوم إلا بسواعد أبنائها وعقولهم.

ويبقى الوطن ذاكرة القلب، وهوية الروح، والحضن الذي نعود إليه مهما ابتعدت بنا الطرق. حفظ الله أوطاننا آمنةً مطمئنة، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق قيادتها لكل خير، وجعل أبناءها نموذجًا في الوفاء والإخلاص والعطاء.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.