كُتاب الرأي

الحياة التي نؤجلها

الحياة التي نؤجلها

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

ما أعجب الإنسان! يولد صغيرًا يتطلع إلى الكِبَر، فإذا كبر حنَّ إلى طفولته، ويعيش أيامه مترقبًا الغد حتى إذا جاء الغد تمنى لو عاد به الزمن إلى الأمس. يركض خلف السنوات وهي أمامه، ثم يركض خلف الذكريات بعد أن تصبح خلفه. وكأن حياته رحلةٌ طويلة بين انتظارٍ لا ينتهي، وحنينٍ لا ينقطع.

منذ نعومة أظفاره يحلم الطفل أن يصبح شابًا، ويتمنى الشاب أن يبلغ ما يراه من نضج الكهول وخبرتهم، ثم إذا تقدمت به السنون أخذ يقلب صفحات عمره بحسرة قائلاً: ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب. وهكذا يمضي العمر في دائرةٍ عجيبة؛ نستعجل مراحله حين تكون بين أيدينا، ثم نشتاق إليها عندما تغادرنا.

ويزداد الأمر غرابة حين ينشغل الإنسان بجمع المال وتشييد المستقبل حتى ينسى أن يعيش حاضره. يسهر الليالي طلبًا للرزق، ويستنزف صحته في سبيل الثراء، ثم ينفق ما جمعه من مال ليشتري بعضًا مما فقده من صحة وراحة وطمأنينة.

وقد نبَّه القرآن الكريم إلى حقيقة الدنيا وزوالها، فقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

ولعل من أبلغ ما قيل في هذا المعنى قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا». وقال الحسن البصري رحمه الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك».

ويحفل تراثنا العربي والإسلامي بصورٍ بليغة عن قيمة الزمن. فقد قال الشاعر:
دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ

وقال آخر:
الوقتُ أنفسُ ما عُنيتَ بحفظهِ
وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ

وفي النهاية، فإن الإنسان يعيش وكأنه لن يرحل، ثم يرحل وكأنه لم يمكث إلا قليلًا. والسعيد من أدرك قيمة يومه قبل أن يصبح ذكرى.

كاتب رأي 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.