كُتاب الرأي

المتحابون في الله.. الصداقة التي تبقى

المتحابون في الله.. الصداقة التي تبقى

بقلم: بكري عساس

من أجمل نعم الله على الإنسان أن يرزقه صديقًا صادقًا، صدوقًا، هيّنًا ليّنًا، يغفر الزلات ويتغافل عن الهفوات، ويمنح من حوله شعورًا بالأمان والطمأنينة. فالصديق المخلص لا يُعرف في أوقات الرخاء فحسب، بل يظهر معدنه الحقيقي عند الشدائد، فيكون عونًا وسندًا، يشارك صاحبه الأفراح كما يواسيه في الأحزان.

والصداقة الحقيقية ليست علاقة عابرة أو مصلحة مؤقتة، بل هي رابطة إنسانية نبيلة تقوم على المودة والاحترام والثقة المتبادلة. فالإنسان بطبعه يحتاج إلى من يأنس به، ويأتمنه على أسراره، ويستشيره في أموره، ويجده عند الضيق خير رفيق.

وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في اختيار الصاحب الصالح، حين اتخذ أبا بكر الصديق رضي الله عنه رفيقًا وصاحبًا. فكان أبو بكر خير معين وخير نصير، شاركه السراء والضراء، ورافقه في رحلة الهجرة، وتحمل المشقة والأذى في سبيل حماية صاحبه ونبيه. وقد خلد القرآن هذه الصحبة المباركة في قوله تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)، فكانت شهادة ربانية عظيمة لمكانة هذه العلاقة الفريدة.

ومن النماذج المشرقة أيضًا ما كان بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة، حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فقدم الأنصار صورًا نادرة من الإيثار والمحبة والتضحية، حتى وصفهم الله بقوله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). لقد كانت أخوة قامت على الإيمان لا على المصالح، وعلى العطاء لا على الأخذ.

كما تُعد العلاقة بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهما مثالًا آخر للمحبة الصادقة في الله؛ فقد كان كل منهما ناصحًا لأخيه، معينًا له على الخير، يذكره بالله ويأخذ بيده إلى طريق الاستقامة. وهكذا تكون الصداقة النافعة التي تقرب أصحابها من الله وترتقي بأخلاقهم وسلوكهم.

إن الصداقة المضيئة التي ننشدها جميعًا هي تلك التي تنطلق من قاعدة «المتحابين في الله»، وهي علاقة خالصة لوجه الله تعالى، تقوم على الصدق والإخلاص والتسامح والتناصح والتعاون على البر والتقوى. فإذا غفل أحد الصديقين ذكّره الآخر، وإذا أخطأ نصحه برفق، وإذا أصاب شجعه ودعمه.

وقد بين القرآن الكريم قيمة هذه العلاقة حين قال تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)، فكل علاقة تقوم على غير التقوى مآلها إلى الزوال، أما المحبة التي تُبنى على الإيمان والعمل الصالح فتبقى في الدنيا ويستمر أثرها في الآخرة.

وجاء في الحديث الشريف عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء». وهو تكريم عظيم يدل على رفعة منزلة من جمعهم الحب الصادق في الله.

وفي زمن تتسارع فيه المصالح وتتغير فيه العلاقات، تظل الصداقة القائمة على الإيمان والقيم والأخلاق من أثمن الكنوز التي يمكن للإنسان أن يظفر بها. فطوبى لمن رزقه الله صاحبًا صالحًا يذكره إذا نسي، وينصحه إذا أخطأ، ويدعو له بظهر الغيب، ويعينه على طاعة الله، فذلك هو الصديق الذي تستحق صحبته أن تدوم.

كاتب رأي 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.