كُتاب الرأي

*الحرب على البدائل .*

*الحرب على البدائل .*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

*الأحد الموافق (26) يوليو 2026م .*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

لكل مرحلة من مراحل الصراع منطقها الخاص، أما المرحلة الراهنة فتؤكد أن الحروب لم تعد تستهدف تدمير القدرات العسكرية وحدها، بل أصبحت تستهدف قدرة الدول على الاستمرار. ومن هذا المنطلق، تتجه المنافسة الاستراتيجية نحو تعطيل المنظومات التي أعدتها الدول عبر عقود لضمان أمنها الوطني واستقرار اقتصاداتها واستمرار مصالحها الحيوية.

ولذلك، أصبحت استمرارية الدولة هدفا استراتيجيا لا يقل أهمية عن حماية حدودها، لأن القدرة على مواصلة العمل في زمن الأزمات أصبحت في ذاتها شكلا من أشكال القوة الوطنية الشاملة.

ويقصد بالبدائل في هذا السياق كل منظومة أعدتها الدولة لضمان استمرار وظائفها الحيوية عند تعرضها للأزمات، وتشمل ممرات الطاقة، والموانئ، وخطوط الأنابيب، وسلاسل الإمداد، والبنية الرقمية، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، ومنظومات التخزين، وغيرها من المقومات التي تكفل استمرارية الدولة وتحافظ على قدرتها على اتخاذ القرار .

وخلال العقود الماضية، أنصبت جهود كثير من الدول على بناء هذه البدائل لتقليل آثار الأزمات، فأنشأت موانئ إضافية، ومدت خطوط أنابيب جديدة، ووسعت قدرات التخزين، وربطت وسائل النقل بشبكات لوجستية متطورة، حتى لا يؤدي تعطل ممر واحد إلى شلل اقتصادي واسع. غير أن طبيعة الصراع أخذت منحى مختلفا، إذ أصبح تعطيل هذه البدائل نفسها هدفا عسكريا وسياسيا واقتصاديا، بما يرفع كلفة الاستمرار ويحد من حرية القرار.

ولم يعد نجاح أي دولة يقاس بحجم مواردها أو اتساع رقعتها الجغرافية فحسب، بل بقدرتها على المحافظة على استمرارية وظائفها الحيوية مهما اشتدت الضغوط. فالموانئ، وخطوط الأنابيب، ومراكز التخزين، وشبكات الاتصالات، والبنية الرقمية، لم تعد مجرد مرافق خدمية، بل أصبحت مراكز ثقل استراتيجية، يتوقف عليها استمرار الدولة في أداء وظائفها الاقتصادية والأمنية والعسكرية، حتى في أصعب الظروف.

ويفسر ذلك اتساع الاهتمام العالمي بحماية سلاسل الإمداد، وتعزيز الأمن البحري، ورفع جاهزية البنية السيبرانية، لأن أي خلل يصيب إحدى هذه الحلقات قد يحقق للخصم نتائج استراتيجية تفوق أحيانا نتائج العمليات العسكرية التقليدية. وهكذا انتقل مركز الثقل من السيطرة على الجغرافيا إلى المحافظة على استمرارية الوظائف الحيوية للدولة.

وقد أظهرت أزمات السنوات الأخيرة أن هذا التحول لم يعد مجرد تصور نظري، بل أصبح ممارسة تتكرر في أكثر من مسرح عمليات. وتوفر التطورات الجارية في المنطقة مثالا عمليا على ذلك؛ فتهديد الممرات البحرية، أو استهداف السفن والمنشآت المدنية، لا يقتصر أثره على الجانب العسكري، بل يمتد إلى التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وثقة المستثمرين. وفي هذا السياق، يبرز النهج الذي تبناه النظام الإيراني منذ عام 1979م، والقائم على توظيف تنظيمات *( إرهابية )* مسلحة عابرة للحدود لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية، بوصفه أحد العوامل التي أسهمت في تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية. وتأتي ما يسمى بجماعة الحوثي الإرهابية في مقدمة هذه التنظيمات المجرمة، بعد أن تجاوزت أعمالها حدود النزاع الداخلي إلى تهديد الملاحة الدولية واستهداف السفن والمنشآت المدنية، بما زاد من كلفة الأمن والاستقرار في المنطقة.

*وفي المقابل، اتجهت دول عديدة إلى تعزيز قدرتها على حماية البدائل، سواء بتطوير بنيتها التحتية، أو تنويع مسارات التجارة والطاقة، أو توسيع شراكاتها الاقتصادية والأمنية. وقد كانت المملكة العربية السعودية من الدول التي تبنت هذا التوجه بصورة مبكرة، من خلال تطوير قطاع الخدمات اللوجستية، وتنويع منافذ تصدير الطاقة، وتعزيز البنية التحتية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة (2030)، ويعزز مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة المتغيرات.*

*ويأتي هذا النهج منسجما مع السياسة السعودية الثابتة تجاه اليمن، التي تقوم على دعم أمنه واستقراره ووحدته ومؤسساته الشرعية، انطلاقا من أن استقرار اليمن يمثل ركنا أساسيا من استقرار الجزيرة العربية والمنطقة. وفي هذا السياق، أكد سفير المملكة العربية السعودية لدى الجمهورية اليمنية بالقول:*

*(ستظل المملكة كما عهدها الجميع داعمة للشعب اليمني الشقيق في جميع أنحاء اليمن، ومساندة لحكومته الشرعية حتى ينعم اليمن بالأمن والاستقرار والسلام ) .*
*ويعكس هذا الموقف ثبات السياسة السعودية في الجمع بين دعم التنمية والاستقرار، وتعزيز الأمن الإقليمي، ومعالجة جذور الأزمات إلى جانب مواجهة التهديدات الأمنية .*

وتؤكد هذه التحولات أن بناء البدائل لم يعد كافيا، بل أصبحت حمايتها جزءا لا يتجزأ من مفهوم الردع الحديث . فالدولة التي تمتلك بدائل متعددة لكنها تعجز عن تأمينها، قد تجد نفسها أمام ضغوط لا تقل خطورة عن الضغوط العسكرية المباشرة.

*الخاتمة .*

تؤكد تطورات المرحلة أن الحروب الحديثة لم تعد تستهدف الموارد وحدها، بل أصبحت تستهدف قدرة الدول على الاستمرار، من خلال الضغط على منظوماتها اللوجستية، وسلاسل الإمداد، والبنية الرقمية، وشبكات الطاقة والنقل. ولهذا، فإن معيار القوة في القرن الحادي والعشرين لا يقاس بعدد البدائل التي تمتلكها الدولة، بل بقدرتها على حمايتها والمحافظة على استمرارية وظائفها الحيوية في مختلف الظروف.

ومن المرجح أن تجعل العقائد العسكرية والأمنية خلال السنوات المقبلة حماية البدائل أولوية لا تقل أهمية عن حماية الحدود، لأن القدرة على الاستمرار أصبحت أحد أهم معايير القوة الشاملة للدول، وعنصرا رئيسا في بناء الردع الاستراتيجي وصون الأمن الوطني.

كما تكشف التجربة الإقليمية أن توظيف التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود في تهديد الملاحة والتجارة الدولية، ومن بينها جماعة الحوثي الإرهابية، أسهم في تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية، وزيادة كلفة الأمن والتنمية، وهو ما يبرز أهمية معالجة مصادر التهديد وسياساته، إلى جانب تعزيز قدرة الدول على حماية منظوماتها الحيوية واستمرارها.

ومن هنا، فإن الاستثمار في بناء البدائل وحمايتها لم يعد خيارا تنمويا فحسب، بل أصبح استثمارا مباشرا في الأمن الوطني، وأحد أهم مرتكزات الردع الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

*(أخطر الحروب ليست تلك التي تدمر الموارد، بل تلك التي تسلب الدولة قدرتها على الاستمرار… ومن اتخذ الإرهاب أداة، والعدوان منهجا، وتهديد أمن الدول والملاحة الدولية سياسة، فليوقن أن سنن الله نافذة لا تحابي أحدا، وأنه سبحانه يملي للظالم ولا يهمله، فإذا جاء أخذه كان أخذ عزيز مقتدر، وحينئذ يعلم الباغون أن على الباغي تدور الدوائر، وأن الظلم مهما طال أمده فمصيره إلى زوال) .*

*يقول الله تعالى في محكم التنزيل الكريم ؛*

*﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ .*

*صدق الله العظيم .*

سورة يوسف، الآية (21) .

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.