كُتاب الرأي

من هرمز إلى صنعاء…

من هرمز إلى صنعاء…

حرب استنزاف القدرة

رؤية تحليلية

الأربعاء الموافق (9) سبتمبر (2026)م

كتبه: اللواء البحري الركن المتقاعد عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية

(أخطر ما تواجهه أي قوة في الحرب ليس فقدان هدف منفرد، وإنما اضطرارها إلى توزيع قدراتها على جبهات متعددة في توقيت واحد، حتى تصبح حرية المناورة أضيق من مساحة التهديد.)

تدخل الحرب الأمريكية ضد النظام الإيراني، بالتوازي مع اتساع عمليات القوات المسلحة اليمنية ضد عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة، مرحلة عملياتية أكثر تعقيدًا. فالمواجهة لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ المطلقة، أو المواقع المستعادة، أو السفن المستهدفة، وإنما بمقدار ما يخسره كل طرف من حرية الحركة، والقدرة على التعويض، وحماية مراكز الثقل، والاحتفاظ بقوة قادرة على التدخل في المكان والتوقيت المطلوبين.

الموقف العسكري الراهن

أعلنت القوات الأمريكية تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية في الثامن من سبتمبر، ردًا على محاولات إيرانية لاستهداف سفينة حربية أمريكية بالصواريخ الباليستية. ويكشف اختيار الناقلات كأهداف عن انتقال جزء من الجهد الأمريكي من ضرب القدرة العسكرية المباشرة إلى الضغط على تمويل الحرب، وحركة النفط الإيراني، ورفع كلفة استمرار العمليات على النظام الإيراني.

ورد الحرس الثوري بتوسيع بنك أهدافه، معلنًا مهاجمة سفن في محيط هرمز، وإطلاق صواريخ باليستية باتجاه الأردن. والمؤكد أن الدفاعات الأردنية تعاملت مع عشرين صاروخًا، واعترضت ثمانية عشر منها، وسقط اثنان في مناطق غير مأهولة دون خسائر بشرية، بينما لم تثبت بصورة مستقلة الادعاءات الإيرانية بإحداث أضرار جسيمة في الهدف العسكري.

الخسائر تُقاس بتأثيرها العملياتي

تدمير خمس ناقلات لا يعني فقدان سفن فقط، وإنما يعني ارتفاع كلفة النقل والتأمين والحماية، وإجبار النظام الإيراني على تخصيص موارد إضافية لحماية صادراته. وفي المقابل، فإن اعتراض ثمانية عشر صاروخًا من أصل عشرين يوضح الفارق بين كثافة النيران وقدرتها الفعلية على تحقيق التأثير المطلوب.

وسجلت تقارير أمن الملاحة إصابة ناقلة في المياه العراقية، واندلاع حريق على متنها دون إصابات بين أفراد طاقمها، إضافة إلى إصابة سفن تجارية أخرى في شمال الخليج وخليج عُمان. وهنا يظهر تطور مهم؛ فالسفن التجارية نفسها أصبحت داخل مساحة الاشتباك، وليست على هامشها.

هرمز… معركة حرية الحركة

انخفض عبور سفن السلع عبر مضيق هرمز إلى ست سفن يوم الثلاثاء، مقابل متوسط لعشرة أيام يبلغ نحو اثنتي عشرة سفينة، مع ارتفاع تكاليف مخاطر الحرب والتأمين على الشحنات.

كما أعلن النظام الإيراني توسيع المنطقة البحرية التي يعتبرها محظورة أمام الملاحة. وهذا لا يعني امتلاكه القدرة على فرض منع بحري كامل، لكنه يكشف محاولة لتوسيع مساحة التهديد ورفع درجة المخاطرة أمام السفن الدولية.

فالسيطرة على المضيق لم تعد تُقاس فقط بمن أغلقه ومن فتحه، وإنما بمن يستطيع استخدامه وتحمل كلفة المرور فيه. والتهديد الذي يجعل مالك السفينة يمتنع عن الإبحار قد يحقق تأثيرًا اقتصاديًا حتى دون إغلاق الممر ماديًا.

اليمن… توسيع جبهة الضغط

اتسعت عمليات القوات المسلحة اليمنية إلى تعز ومأرب والضالع والحديدة، بالتوازي مع الجوف والبيضاء والساحل الغربي. والقيمة العسكرية لهذا الاتساع ليست في عدد الجبهات وحده، وإنما فيما يفرضه على عصابة الحوثيين الإرهابيين من التزامات متزامنة في القوات والنيران والاستطلاع والإمداد.

وتكتسب جبهة مأرب أهمية أكبر مع التطور الميداني الجوهري الأخير، بعدما وسعت القوات المسلحة اليمنية عملياتها في القطاعين الشمالي والجنوبي، وحققت تقدمًا في عدد من المواقع، بالتزامن مع إسناد جوي ومدفعي استهدف مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية.

وإذا أمكن تثبيت هذا التقدم والمحافظة على زخمه، فإن مأرب قد تنتقل من جبهة دفاع عن المحافظة إلى قاعدة ضغط عملياتي تستنزف جزءًا من القوة الحوثية، وتحد من حرية انتقالها إلى الجبهات الأخرى. وتزداد قيمة هذا التطور إذا استمر الضغط بالتزامن في الجوف والبيضاء وتعز والساحل.

ولا تزال بعض المعلومات المتعلقة باتجاهات التقدم وحجم الخسائر بحاجة إلى مزيد من التحقق؛ ولذلك فإن المعيار الأهم ليس المسافة التي قطعتها القوات، وإنما قدرتها على تثبيت المواقع، والمحافظة على زخم العمليات، وصد الهجمات المعاكسة.

وهنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي؛ عندما لا يعود الخصم قادرًا على تحديد الجبهة التي يدافع عنها بقوته الرئيسية، لأنه أصبح مضطرًا للدفاع عن عدة اتجاهات في الوقت نفسه.

طرق الاقتراب ومراكز الثقل

يمثل غرب تعز اتجاهًا عملياتيًا حساسًا لاتصاله بالمخا والساحل المؤدي إلى باب المندب، بينما تحمل مأرب ثقلًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وتزيد الجوف والبيضاء والضالع من امتداد جبهة الضغط، فيما ترتبط الحديدة والساحل الغربي مباشرة بأمن البحر الأحمر.

ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية ليست في كل محور منفرد، وإنما في استمرار التزامن بينها، بما يحرم الميليشيا الحوثية الإرهابية من تركيز قوتها على اتجاه رئيسي واحد.

واستعادة الأرض تبقى ضرورة للقوات التي تقاتل لاستعادة الدولة، لكن النجاح لا يكتمل بالسيطرة على الموقع. المطلوب تثبيته، وتأمين طرق الاتصال، ومنع الهجوم المعاكس، بالتوازي مع إضعاف قدرة الحوثيين على إعادة تنظيم قواتهم.

من هرمز إلى باب المندب

يمثل هرمز وباب المندب طرفي قوس بحري استراتيجي يحيط بالجزيرة العربية. وفي الوقت الذي يتراجع فيه العبور عبر هرمز، تستمر تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر.

وما نُشر حتى الآن في المصادر الإعلامية المفتوحة لا يكفي للجزم بأن العمليات الإيرانية والحوثية تُدار من غرفة عمليات واحدة، لكن مؤشرات التنسيق بين أذرع النظام الإيراني تجعل الفصل الكامل بين هذه المسارح غير دقيق كذلك.

وهكذا يصبح أمن الملاحة والطاقة والموانئ والمنشآت الحيوية والدفاع الجوي والصاروخي أجزاء مترابطة من البيئة الأمنية المحيطة بالمملكة العربية السعودية.

الموقف السعودي

تتعامل المملكة العربية السعودية مع بيئة أمنية تمتد آثارها من الخليج العربي إلى البحر الأحمر واليمن. ولا يُقاس نجاح الدفاع السعودي بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يجري اعتراضها فقط، وإنما باستمرار عمل الدولة والمنشآت والطاقة والموانئ والمطارات، وعدم تمكين الخصم من فرض قراره أو تعطيل المصالح الوطنية.

كما أن تقدم القوات المسلحة اليمنية يخدم هذه المعادلة؛ فكلما استعادت الحكومة الشرعية زمام المبادأة داخل اليمن، تراجعت قدرة جماعة الحوثي الإرهابية المسلحة على استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد المملكة والملاحة الدولية.

مسارات إنهاء الصراع

تبقى ثلاثة مسارات مفتوحة؛ استمرار الضغط العسكري المنضبط حتى تتراجع قدرة النظام الإيراني وأذرعه على التهديد، ثم الجمع بين الضغط والمسار السياسي بما يمنع استغلال التهدئة لإعادة بناء القدرات، وأخيرًا إنشاء ترتيبات دولية أكثر حزمًا لضمان حرية الملاحة في هرمز وباب المندب.

أما اليمن، فالحل المستدام يرتبط بعودة قرار الحرب والسلم والسلاح الثقيل إلى مؤسسات الدولة الشرعية، وإنهاء وجود جماعة إرهابية مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة خارج سلطة الدولة. وأي تسوية لا تعالج مصدر هذه القوة قد توقف القتال، لكنها لن تزيل أسباب تجدده.

الاستنتاجات العسكرية

تنتقل المواجهة الأمريكية الإيرانية تدريجيًا من حرب الأهداف إلى الضغط على الموارد والحركة البحرية واستدامة العمليات، بينما تدل التطورات اليمنية على محاولة القوات الحكومية توسيع الضغط على الميليشيا الحوثية الإرهابية في أكثر من اتجاه.

ويظهر الرابط العملياتي بين المسرحين؛ فالولايات المتحدة تضغط على موارد النظام الإيراني وحركة صادراته، بينما تضيق القوات المسلحة اليمنية مساحة المناورة أمام ذراعه الحوثية.

وهنا يلتقي هرمز مع صنعاء عسكريًا؛ ليس لأنهما معركة واحدة، وإنما لأن النظام الإيراني وأذرعه يواجهون السؤال نفسه: كم جبهة يستطيعون دعمها؟ وكم خسارة يستطيعون تعويضها؟ وكم من الوقت يستطيعون المحافظة على حرية الحركة؟

الخلاصة الاستراتيجية

تدل مجمل المؤشرات الحالية على أن المرحلة المقبلة ستكون معركة قدرة أكثر منها معركة ضربة واحدة حاسمة. فالطرف الذي يحتفظ بخطوط إمداده، وحرية حركته، وقدرته على التعويض، سيكون أقدر على فرض شروط المرحلة التالية.

ومن هرمز إلى صنعاء وباب المندب، تتسع مساحة الالتزام على النظام الإيراني وأذرعه الإرهابية المسلحة. وإذا استمر الضغط الأمريكي على موارده، بالتوازي مع نجاح القوات المسلحة اليمنية في توسيع جبهاتها، وتثبيت الأرض المستعادة، واستمرار المملكة العربية السعودية في حماية عمقها ومقدراتها، فإن السؤال العسكري لن يكون: أين ستقع الضربة التالية؟ وإنما: من سيصل أولًا إلى اللحظة التي تصبح فيها مساحة التزاماته أكبر من قدرته على حمايتها؟

كاتب رأي

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.