كُتاب الرأي

قناع المثالية المزيفة

قناع المثالية المزيفة

حين يكشف الزمن معادن الرجال

بقلم: حسين القفيلي

تسقط الأقنعة وتتلاشى مساحيق التجميل الأخلاقي أسرع مما يتصور أصحابها، فالحياة مسرحية كبرى طويلة النفس، لا يصح فيها إلا الصحيح، ولا يثبت على أرضها إلا الأصيل. إن السعي نحو الكمال الإنساني، أو حتى الاقتراب من الفضيلة، يبدأ دائمًا من نقطة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين، وهي الصدق المطلق مع النفس قبل رمي الآخرين بسهام التوجيه والتعديل. فمن أراد أن يقوّم سلوك غيره، فعليه أولًا أن يستقيم في مرآة ذاته، وإلا تحولت دعوته إلى صراخ أجوف لا يصغي إليه عاقل.

لا قيمة لمواعظ الأخلاق إن خرجت من لسان قليل الأدب، ولا معنى لدعوات الكرم إن صدرت عن روح تملكتها آفة البخل المترسخة، تمامًا كما يفشل الكذاب في بيع بضاعة الصدق. إن الأخلاق والطبائع النبيلة ليست أثوابًا نستعيرها للمناسبات العامة ثم نخلعها في الخفاء، وإنما هي طبائع مغروسة وجِبِلّة ربانية يمنحها الله لمن يصدق معه. ولهذا جاء التوثيق الإلهي لرسول الإنسانية الأعظم في محكم التنزيل متجاوزًا حدود التكلف إلى جوهر الحقيقة بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، دلالة على أن العظمة الأخلاقية حالة وجودية متأصلة، وليست تصنّعًا طارئًا.

حين يقف المتصنعون خلف منابر المثالية الخادعة، ظانين أنهم يخدعون العيون، يغيب عنهم أن الزمن هو الغربال الأقسى الذي لا يرحم، وأن الأيام كفيلة بفرز النبيل الحقيقي من الخبيث المتستر، وإسقاط كل الأدوار التمثيلية التي تجيد ارتداء النقاء على السطح وتعاني الجفاف في الأعماق. والناس اليوم، بوعيهم المتنامي وبصائرهم النافذة، يملكون قدرة فائقة على قراءة ما بين السطور؛ فقد يمنحون أصحاب التكلف مجاملات اجتماعية مؤقتة حفظًا لماء الوجه، لكنهم في قرارة أنفسهم يعرفون الحقيقة كاملة، ويدركون الفرق الشاسع بين العطر الأصيل ورائحة الطلاء المؤقت.

كاتب رأي

 

 

حسين محمد القفيلي

أديب وإعلامي و كاتب رأي وشاعر سعودى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.