كُتاب الرأي
المواقف الصعبة تعيد ترتيب الأشخاص بحجمهم الحقيقي

المواقف الصعبة تعيد ترتيب الأشخاص بحجمهم الحقيقي
بقلم : حسين القفيلي ✍️
الحياة مدرسة كبرى، وتجارب الأيام والظروف هي المعلم الأصدق الذي لا يعرف المجاملة. في أروقة هذه المدرسة، يمر الإنسان بمحطات تتقلب فيها الأحوال، وتتضح فيها معادن البشر، وتتكشف الحقائق التي ربما حجبتها زحمة الأيام. ولعل من أعظم الوصايا الربانية وأجلها شأنًا هي الوصية بالصبر؛ فهو الركن الركين والزاد الحقيقي لكل من أراد أن يبرز في اختبارات الزمن بثبات ويقين..وكثيرًا ما يفاجأ المرء في مواقف الضيق والازمات بتراجع من كان يظنهم الأقرب والأكثر حضورًا، ليتواروا عن الأنظار ساعة الحاجة. وفي المقابل، يبرز من حيث لا يحتسب شخص لم يكن في الحسبان، ليقف وقفة رجل واحد، ويسد الثغرة، ويقدم العون بكل صدق ونبل.
من هنا تأتي جمالية الظروف الصعبة؛ فهي لا تنكسر أمامنا بل تنبئنا بكل شيء، وتنزع الأقنعة عن وجوه لطالما ظنناها ثابتة، لتبقي على الذهب الخالص وتغربل الزيف. ولهذا، فإن الحكمة توجب التمسك بالصادقين وعدم التفريط بهم أبدًا، فهم كنوز لا تُقدر بثمن، ولا يظهر قدرهم الحقيقي إلا في أتون الأزمات والمحن وفي زحمة العلاقات الإنسانية تبرز آفة الكلام المنقول والإشاعات المغرضة التي يسعى أصحابها إلى تشويه سمعة الآخرين والنيل من مكانتهم. إن العاقل الحصيف لا يستمع لكل ما يققال، ولا يجعل عقله وعاطفته مرتعًا لأقاويل الحاقدين والنمامين ممن يوغلون على العامة بالباطل، ويهيمون على وجوههم مع كل ريح، “معهم معهم، عليهم عليهم”.
إن الإنصاف يقتضي ألا يُحكم على الناس من خلال ألسنة المغرضين، بل يجب خوض التجربة بأنفسنا والتحقق من الحقائق قبل إطلاق الأحكام. فكم من بريء مظلوم غدا ضحية لكلمة ظالمة ألقاها حاقد بلا بينة، وكم من إنسان نُسجت حوله الأكاذيب وهو أطهر من أن تمسه شائبة
إن التجارب والظروف هي المرآة التي تنعكس عليها حقيقة النفوس. بالصبر الواعي، والنظرة الثاقبة، والتمسك بالأصدقاء الأوفياء، والترفع عن سماع مهاترات السفهاء والحاقدين، يكتسب الإنسان مناعة نفسية وفكرية تجعله يسير في دروب الحياة بثبات، واثق الخطى، عارفًا بمن يعاشر، ومحباً لمن يستحق الوفاء.



