كُتاب الرأي

حضرموت والسعودية…

حضرموت والسعودية…

هل تقدم بورتوريكو نموذجاً لعلاقة من نوع جديد؟

حين نناقش مستقبل حضرموت، غالباً ما يُحصر النقاش بين خيارين: البقاء ضمن التركيبة اليمنية، أو الاستقلال الكامل. لكن تجارب العالم تقول إن العلاقات السياسية ليست دائماً بهذه الثنائية؛ فهناك صيغ تجمع بين إدارة محلية واسعة وارتباط استراتيجي بدولة أكبر.

ومن التجارب التي تستحق الدراسة علاقة بورتوريكو بالولايات المتحدة الأمريكية.

ولا أعني أن تصبح حضرموت نسخة من بورتوريكو؛ فالتاريخ والظروف والنظام القانوني مختلف تماماً. وإنما تهمنا الفكرة: إقليم يحتفظ بشخصيته ومؤسساته وإدارته الداخلية، ويرتبط في الوقت نفسه بدولة أكبر في ملفات استراتيجية.

ماذا تقول تجربة بورتوريكو؟

انتقلت بورتوريكو إلى السيادة الأمريكية عام 1898، لكنها لم تصبح ولاية أمريكية.

ولها اليوم دستور وحكومة وبرلمان محلي، بينما تتولى الولايات المتحدة ملفات سيادية رئيسية، وفي مقدمتها الدفاع والسياسة الخارجية.

ورغم أكثر من قرن من هذه العلاقة، احتفظت بورتوريكو بشخصيتها الثقافية والاجتماعية واللغوية.

وهنا يأتي السؤال الحضرمي:

هل يمكن بناء علاقة خاصة بين حضرموت والسعودية تحقق لحضرموت حكماً محلياً مضموناً، وتربطها في الوقت نفسه بالمملكة اقتصادياً وأمنياً واستراتيجياً؟

لماذا السعودية؟

الجغرافيا قبل السياسة تجيب عن جانب مهم من السؤال.

حضرموت تجاور المملكة مباشرة، وتمتلك مساحة شاسعة وساحلاً طويلاً على بحر العرب وموانئ وثروات نفطية ومعدنية وسمكية وزراعية.

وفي المقابل تمتلك المملكة سوقاً ضخمة ورأس مال وبنية تحتية وقدرات اقتصادية ودفاعية واستراتيجية كبيرة.

ومن هنا يمكن تصور معادلة تقوم على:

حكم حضرمي للشؤون الداخلية، وتكامل سعودي–حضرمي في الدفاع والأمن الاستراتيجي والاقتصاد والمشروعات الكبرى.

حضرموت بوابة على بحر العرب

حضرموت ليست مجرد أرض مجاورة للسعودية؛ إنها امتداد جغرافي يصل إلى بحر العرب والمحيط الهندي.

وإذا ارتبطت الموانئ الحضرمية بشبكات الطرق والنقل والطاقة والأسواق السعودية، يمكن أن تتحول الحدود بين الجانبين من حاجز أمني وسياسي إلى شريان اقتصادي وتنموي.

وهنا تصبح المصالح متبادلة: استقرار واستثمارات وتنمية وفرص عمل لحضرموت، وعمق اقتصادي وأمني ولوجستي إضافي للمملكة.

ولكن ما ضمانات الحكم الحضرمي؟

هنا تكمن المسألة الأهم. فلا قيمة لأي حكم محلي إذا كانت صلاحياته قابلة للسحب أو التغيير بقرار من المركز.

لذلك فإن أي نموذج من هذا النوع يحتاج إلى ضمانات قانونية ومؤسسية واضحة: سلطة تشريعية حضرمية منتخبة، وحكومة محلية تدير الشؤون الداخلية، وقضاء محلي ضمن الاختصاصات المتفق عليها، وأجهزة أمن وشرطة محلية، وإدارة حضرمية للموارد والإيرادات والتنمية والموانئ والخدمات.

ويجب أن يحدد الإطار القانوني بوضوح ما هو من اختصاص حضرموت وما هو من اختصاص المملكة، وأن يضع آلية مستقلة لحسم أي خلاف بين الطرفين.

والضمانة الأهم: ألا يستطيع أي طرف تغيير جوهر هذا الترتيب أو انتزاع الصلاحيات الأساسية لحضرموت بإرادة منفردة، وإنما وفق إجراءات قانونية متفق عليها مسبقاً.

وبذلك لا يكون الحكم الحضرمي منحة إدارية قابلة للسحب، وإنما حقاً مؤسسياً تحميه قواعد العلاقة نفسها.

لا نريد نسخة من بورتوريكو

بورتوريكو ليست نموذجاً مثالياً في كل شيء، ووضعها السياسي نفسه ظل موضع نقاش طويل.

لذلك لا أقول: لنجعل حضرموت بورتوريكو السعودية.

بل أقول: نستفيد من التجربة ونصنع نموذجاً حضرمياً–سعودياً خاصاً، أكثر وضوحاً في توزيع السلطات والموارد والضمانات.

تدير حضرموت شؤونها الداخلية وتحافظ على هويتها ومؤسساتها ومواردها، بينما تدخل ملفات الدفاع والسياسة الخارجية والأمن الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي الكبير ضمن الإطار المتفق عليه مع المملكة.

الخلاصة

القيمة الحقيقية لتجربة بورتوريكو أنها تكسر الاعتقاد بأن مستقبل أي إقليم محصور بين الذوبان الكامل أو الاستقلال المنفصل.

وهذا يفتح أمام حضرموت سؤالاً يستحق دراسة جادة:

لماذا لا يكون هناك طريق ثالث؟

طريق يمنح حضرموت حكماً محلياً حقيقياً بضمانات لا تسمح بتفريغه من مضمونه، ويحفظ هويتها ومواردها، وفي الوقت نفسه يربط أمنها واقتصادها ومستقبلها الاستراتيجي بالمملكة العربية السعودية.

ليس المطلوب نسخ بورتوريكو.

المطلوب صياغة نموذج حضرمي–سعودي تكون فيه حضرموت صاحبة القرار في شؤونها الداخلية، وتكون علاقتها بالمملكة شراكة استراتيجية محكومة باتفاق واضح وضمانات ثابتة.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
25 سبتمبر 2026

#حضرموت #السعوديه #حضرموت_تقرر_مصيرها
#حضارم_في_ذاكره_الوطن_السعودي #صالح_المرزم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.