كُتاب الرأينحن طويق

طهران تتاجر بالوقت…

طهران تتاجر بالوقت…

فمتى يُدفن «حوار الطرشان»؟

«لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا
ولكن لا حياةَ لمن تنادي»

ليس أخطر على المنطقة من حربٍ تعرف أنها حرب، إلا تفاوضٌ تتوهم أنه يصنع السلام، بينما يمنح أسباب الحرب فرصة جديدة للحياة.

كلما تحرك الوسطاء بين واشنطن وطهران، عاد السؤال الذي طاردته في مقالاتي السابقة: هل نتقدم نحو تفكيك الأزمة، أم نعيد ترتيبها تمهيدًا لانفجار آخر؟ وهل المطلوب اتفاق ينزع أدوات الابتزاز، أم هدنة تمنح أصحابها وقتًا لترميم تلك الأدوات؟

ذلك هو جوهر «حوار الطرشان»: يتحدث طرف عن إنهاء التهديد، ويتحدث الآخر عن ثمن تعليقه مؤقتًا. تبدو الطاولة واحدة، لكن كل طرف يجلس إلى اتفاق مختلف!

في «الشيطان الإيراني هو التفاصيل»، بتاريخ 25 مايو 2026، تناولت خطورة ما تختبئ خلفه العبارات الدبلوماسية. واليوم أعود إلى الفكرة ذاتها: لا تسألوا عن جمال عنوان الاتفاق؛ اسألوا عما يسمح به، وعما يسكت عنه، ومن يتحقق من تنفيذه، وما الذي يحدث صباح اليوم التالي لخرقه.

فقد يكون البيان مطمئنًا، بينما تكون ثغراته كافية لإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر.

والمشهد الجاري يكاد يقدم درسًا عمليًا في ذلك. ففي تقرير نشرته رويترز في 29 أكتوبر، تحدث مصدر مطلع عن مشروع قطري يتضمن خطوات لبناء الثقة خلال سبعة أيام، بينما وصف مسؤول إيراني كبير ما طُرح بأنه أفكار غير مقبولة لا ترقى إلى عرض. وتبقى العقدة قائمة: واشنطن تريد الملف النووي ضمن التفاوض منذ البداية، وطهران تطالب أولًا برفع الحصار والعقوبات النفطية. هذه روايات متعارضة عن مسار لم يُحسم، وليست إعلانًا عن اتفاق ناجز.

هنا تكمن المعركة الحقيقية: من يدفع أولًا، ومن يحتفظ بعد الدفع بأوراق الضغط؟

إذا حصلت طهران على العائد الاقتصادي والسياسي مقدمًا، وأُحيلت الالتزامات الجوهرية إلى مفاوضات لاحقة، فإن السؤال يصبح مشروعًا: ما الذي سيجبرها غدًا على تقديم ما امتنعت عن تقديمه اليوم؟

لا يكفي أن تدخل الأموال، ثم يدخل المفتشون في متاهة المواعيد والشروط. ولا يكفي أن يهدأ المضيق أسبوعًا، بينما يبقى قرار تهديده جاهزًا للأسبوع التالي. اتفاق كهذا قد يؤجل الانفجار؛ لكنه لا يقتلع فتيله.

ولست بحاجة إلى محاكمة شعب، أو اختزال تاريخ أمة في تهمة، أو تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة مذهبية. المسؤولية هنا محددة: نظام يتخذ قراراته، ومؤسسات تنفذها، وسياسات يجب أن تُحاسَب بنتائجها. الاتهام الفضفاض يمنح السلطة مهربًا وراء الهوية؛ أما مساءلتها عن فعل محدد والتزام محدد فتغلق عليها ذلك المهرب.

سمّوا الازدواجية باسمها السياسي: إعلان استعداد للحل مع التمسك بالشروط التي تعطل الوصول إليه. وسمّوا المماطلة باسمها: استهلاك الوقت حتى تتغير كلفة التنازل أو تتراجع إرادة الطرف المقابل. ثم واجهوا هذا السلوك بقواعد تمنع الاستفادة منه.

لا تُدفع مكافأة الالتزام قبل وقوع الالتزام.

وهذا هو الجانب الذي أراه جديرًا بالتأييد في ضغط ترمب: إبقاء كلفة الرفض حاضرة على الطاولة. فبحسب تقرير نشرته الأناضول في 29 أكتوبر نقلًا عن أكسيوس، تتحرك وساطة تقودها قطر، بدعم دول إقليمية، لدفع إيران إلى السماح للمفتشين الدوليين بزيارة مواقع نووية تعرضت للقصف، مقابل تخفيف بعض العقوبات. وأكد ترمب وجود اتصالات عبر الوسطاء، مع عدم جزمه بنجاحها، وسط تهديداته المتكررة بضربات جديدة.

لكن تأييد الضغط لا يعني منح صاحبه شيكًا على بياض. معيار النجاح ليس ارتفاع نبرة الرئيس الأمريكي، ولا عدد التهديدات، ولا مشهد التوقيع أمام الكاميرات. معياره: ماذا انتُزع من أسباب الخطر؟ وما الذي أصبح متعذرًا بعد الاتفاق وكان ممكنًا قبله؟

فالضغط الذي ينتهي بصورة تذكارية ويترك أدوات الابتزاز سليمة يكون قد أنفق قوته على عنوان صحفي. أما الضغط الذي يتحول إلى التزامات قابلة للتحقق، وضمانات تنفيذ، وكلفة معلومة للمخالفة، فيستطيع أن يصنع فرقًا.

وفي مقالي «هل أمريكا جادة في فتح مضيق هرمز للعالم؟»، المؤرخ في 2 سبتمبر 2026، طرحت السؤال الذي ما زلت أراه أصل القضية: هل تريد واشنطن فتح المضيق لهذه الحرب، أم منع تكرار تعطيله في الحرب المقبلة؟

ذلك السؤال يمتد من قراءتي السابقة في «أمريكا بدأت تفكيك إيران». فتعطيل أدوات التهديد عسكريًا لا يُغني عن بناء الترتيبات التي تمنع عودتها. وإذا أُزيل الخطر اليوم ثم أُعيد إنتاجه غدًا، فإننا نكون قد اشترينا استراحة مرتفعة الثمن.

لهذا يجب أن يُقاس أي اتفاق مقبل بثلاثة اختبارات مترابطة: التحقق الفعلي من الالتزامات النووية، وضمان حرية الملاحة، ومنع استخدام الجماعات المسلحة وسيلة للتنصل من المسؤولية. لا يصح أن يُغلق باب التصعيد الرسمي، وتُترك نوافذه مفتوحة عبر وكلاء يتولون المهمة نفسها.

وكل تخفيف للعقوبات ينبغي أن يرتبط بخطوة منفذة يمكن التثبت منها. وكل مهلة ينبغي أن تنتهي إلى نتيجة، لا إلى مهلة جديدة. وكل خرق ينبغي أن يواجه عاقبة واضحة، حتى لا تصبح إعادة التفاوض هي المكافأة الدائمة لمن يعطل الاتفاق.

أما الوسطاء، فلهم دور مهم في تجنيب المنطقة مزيدًا من الدمار، لكن قيمة الوساطة تُقاس بما تنتجه. فالنجاح الدبلوماسي لا يتمثل في إبقاء القناة مفتوحة إلى ما لا نهاية؛ بل في جعلها تقود إلى التزام. وعندما تتحول الوساطة إلى إدارة دائمة للانتظار، يصبح الوقت مكسبًا لمن يريد إطالة الأزمة.

وفي مقالي «لماذا يجب أن تقود السعودية مبادرة دولية لأمن مضيق هرمز؟»، بتاريخ 4 سبتمبر 2026، دعوت إلى دور سعودي يصوغ ترتيبات الأمن التالية للحرب. وأجد أن هذه الدعوة تزداد إلحاحًا اليوم.

أمن الخليج لا يجوز أن يُختزل في بند جانبي بين واشنطن وطهران. السعودية ودول الخليج أصحاب مصلحة مباشرة، وحقوق مباشرة، وكلفة مباشرة. ويجب أن تكون لهم كلمة حاسمة في الضمانات التي تتصل بأمنهم وموانئهم وطاقتهم ومجالهم الجوي. فلا تُعقد الصفقة بعيدًا عنهم، ثم يُطلب منهم تمويل نتائجها أو تحمل ثغراتها.

وفي المقابل، لن تحقق المنطقة استقرارها بحرب مفتوحة بلا نهاية. المطلوب أن يصبح احترام الاتفاق أقل كلفة من خرقه، وأن تكون قدرة الردع حاضرة بما يكفي لحماية التسوية. القوة التي لا تنتج ترتيبًا سياسيًا تستنزف نفسها، والتسوية التي لا يحميها ردع تُعرّض نفسها للابتزاز.

لقد سئمنا الحلقة نفسها: تصعيد، وساطة، وعود، خلاف على التنفيذ، ثم وساطة لإحياء الوساطة!

فإلى متى يبقى العالم منشغلًا بإقناع طهران بأن الوقت قد انتهى، بينما يمنحها في كل مرة وقتًا إضافيًا؟

«لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا، ولكن لا حياةَ لمن تنادي».

هنا لا يستقيم النداء وحده. المطلوب قرار يجعل للتوقيع وزنًا، وللخرق ثمنًا، ولأمن المنطقة حرمة لا تُعرض للمساومة عند كل جولة.

ادفنوا «حوار الطرشان» باتفاق يُنفَّذ؛ وإلا فإنكم لا تصنعون السلام… أنتم تمنحون الأزمة موعدًا جديدًا.

مهندس صالح المرزم
29 أكتوبر 2026

 

#نحن_طويق

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.