نحن طويق

من حوار الطرشان إلى نار المواجهة

من حوار الطرشان إلى نار المواجهة

الضربة التي توقعتها ومستقبل الصراع

في مقالي «أمريكا وإيران حوار الطرشان» المنشور في 25 فبراير 2026، كتبت أن الضربة الأمريكية قادمة، وحددت توقيتها المتوقع في نهاية ذلك الأسبوع، يوم الجمعة أو السبت. وبدأت المواجهة يوم السبت 28 فبراير 2026. لم تكن تلك القراءة إعلانًا عن معرفة بقرار سري، بل تقديرًا سياسيًا استند إلى انسداد التفاوض، وحسابات واشنطن، والاستعدادات العسكرية والإقليمية التي كانت تتجمع في المشهد.

وبعد اندلاع الحرب، كتبت في 2 مارس 2026 مقال «الشرق الأوسط بين الفوضى والضبط القاسي»، ورأيت أن المنطقة تنتقل من إدارة الأزمات إلى محاولة فرض قواعد جديدة بالقوة. ثم عدت إلى جذور هذا التحليل في «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» بتاريخ 25 مايو 2026، وتناولت مآلات الحرب في «إيران بعد الحرب… هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟» بتاريخ 27 يونيو 2026. هذه المقالات تقرأ مسارًا واحدًا: تفاوض تحت الضغط، ثم مواجهة، ثم هدنة لم تعالج أسباب الصراع.

واليوم، بعد أشهر من القتال والتهدئة المتعثرة، لا يعود السؤال: هل بدأت الحرب؟ لقد بدأت بالفعل. السؤال هو: هل تصمد الهدنة الهشة، أم تعود المواجهة في صورة أوسع وأشد كلفة؟

هدنة لم تُنهِ الحرب

دخلت المواجهة مرحلة وقف نار واتفاق مؤقت في يونيو، لكن الخلافات حول مضيق هرمز والبرنامج النووي والحصار البحري أعادت التصعيد. وفي 12 أكتوبر، قالت طهران إنها تراجع رد واشنطن على مقترح يتعلق بإعادة فتح المضيق، فيما استمرت الرسائل عبر الوسطاء. وفي 24 أكتوبر، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن الاتفاق المؤقت فشل، لكنه دعا إلى محاولة جديدة لإتمامه. استمرار الاتصالات يعني أن التفاوض لم ينتهِ، لكنه لا يعني أن الطرفين اقتربا من تسوية نهائية.

واشنطن وطهران تتحدثان عن التفاوض، فيما يرفع كل طرف كلفة التراجع على الآخر. إيران تربط إعادة فتح هرمز برفع الحصار البحري، بينما تريد واشنطن تناول الملف النووي منذ البداية. وعندما تتعارض شروط البداية بهذا الشكل، تتحول الوساطة إلى اختبار إرادات، وتصبح أي حادثة بحرية أو ضربة على منشأة أو قاعدة قابلة لأن تُستخدم لتبرير جولة جديدة.

الانتخابات لا تحسم القرار وحدها

قد تؤخر الانتخابات الضربة أو تعجّل بها، وقد تدفع القادة إلى إظهار الحزم أو تجنب حرب مكلفة؛ لكنها لا تلغي حسابات الردع والقدرة العسكرية وأسعار الطاقة ومواقف الحلفاء.

في 23 أكتوبر، قال الرئيس دونالد ترامب إن الولايات المتحدة قد تنفذ عملية عسكرية أخرى ضد إيران، لكنه قال أيضًا إن الحرب يمكن أن تنتهي سريعًا، متسائلًا إن كان الأفضل حسمها أو تركها «تذوي». وأفادت رويترز بأنه قال إن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات 3 نوفمبر. لذلك يبدو ما بعد الانتخابات محطة محتملة لإعادة تقييم الخيارات، لا دليلًا قاطعًا على أن قرار الهجوم قد صدر. فالتهديد العلني قد يكون أداة ضغط في التفاوض، وقد يكون تمهيدًا لعمل عسكري.

والعامل الإسرائيلي حاضر في الحسابات، لكن لا ينبغي اختزال الحرب في حاجة نتنياهو السياسية أو جعل التصعيد نتيجة حتمية لها. قد تتقاطع الحسابات الانتخابية مع التقدير الأمني، وقد تتباين واشنطن وتل أبيب حول حجم الضربة وأهدافها. والخطر أن يرفع كل طرف سقف مطالبه، ثم يجد نفسه أمام التزام يصعب التراجع عنه من دون أن يبدو مهزومًا.

الممرات البحرية والجبهات الإقليمية

مضيق هرمز ليس ورقة ضغط محلية؛ فأي اضطراب واسع فيه ينعكس على الطاقة والتجارة والتأمين البحري، ويجعل أثر الحرب محسوسًا خارج المنطقة. وقد قالت طهران إنها مستعدة للتفاوض بشأن فتح المضيق، لكن بشروط مرتبطة بالحصار.

وفي 24 أكتوبر، أفادت رويترز بأن الحوثيين أعلنوا استهداف منشآت نفطية ومطارات سعودية، وقال التحالف إنه أسقط صاروخين؛ ولم يتضح فورًا ما إذا كانت الأهداف قد أُصيبت. كما أبلغت السلطات السعودية عن سقوط شظايا صواريخ في مناطق بينها جدة ومكة والمدينة. هذه الوقائع ترفع خطر اتساع المواجهة، لكنها لا تثبت أن باب المندب أُغلق. الأدق أن أمن البحر الأحمر وخليج عدن أصبح أكثر تعرضًا للاضطراب، وأن جبهات المنطقة قد تتحول إلى مسارات ضغط متزامنة.

كلما اتسعت المواجهة، ازدادت صعوبة الفصل بين الرد على إيران والرد على حلفائها، وبين حماية الملاحة والانخراط في حرب مفتوحة. وهذا ما يجعل استهداف الموانئ أو الطاقة أو خطوط التجارة خطرًا يتجاوز حدود الدولة التي تقع فيها الضربة.

الحشد العسكري لا يثبت وحده أن الحرب وشيكة

وجود حاملات الطائرات والقواعد العسكرية المتقدمة يمنح واشنطن خيارات أوسع ويرفع مستوى الضغط على طهران، لكنه لا يثبت وحده أن ضربة جديدة باتت وشيكة. فقد تُستخدم هذه القدرات للردع أو حماية الملاحة أو دعم الحلفاء أو الاستعداد لسيناريوهات متعددة.

المؤشرات الأهم هي اجتماع التحركات العسكرية مع إغلاق قنوات التفاوض، وصدور أوامر إجلاء أوسع، وبدء استهداف مباشر جديد. وقد ظهرت بالفعل إشارات مقلقة؛ إذ تحدث مسؤولون أمريكيون عن تصاعد تهديدات تستهدف أمريكيين، واتُّخذت إجراءات لتقليص بعض الوجود الدبلوماسي في المنطقة. هذه مؤشرات على ارتفاع المخاطر والاستعداد للاحتياط، لا إعلان بأن الحرب عادت رسميًا.

السيناريوهات المقبلة

الأرجح في المدى القريب هو استمرار الضغط المتبادل مع محاولات وساطة متقطعة، مع بقاء احتمال ضربات أمريكية أو إسرائيلية جديدة قائمًا. وإذا وقعت ضربات، فقد تكون محدودة في بدايتها، ثم تتسع إذا ردت إيران على قواعد أو منشآت أو ممرات بحرية. أما الاجتياح البري الواسع أو الحسم السريع للصراع، فيبدو أقل ترجيحًا؛ فكلفته الإقليمية والاقتصادية مرتفعة، والضربات العسكرية لا تضمن قبول الطرف الآخر بالشروط السياسية.

والسيناريو الأخطر أن تتداخل جبهة إيران مع استهداف الحوثيين للمملكة، واضطراب هرمز والبحر الأحمر، وتهديد منشآت الطاقة والاتصالات. وقد ذكرت رويترز أن مسؤولين إيرانيين تحدثوا عن خطط لاستهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج إذا استؤنفت الهجمات. وهذا يعني أن أدوات الضغط المحتملة لم تعد عسكرية فقط، بل قد تمس البنية الرقمية والاقتصادية التي تعتمد عليها دول المنطقة.

أما اجتماع الرئيس الأمريكي مع قادة مجلس التعاون في سبتمبر، فقد انعقد في 22 سبتمبر، لكن قيمة أي لقاء لا تُقاس بانعقاده أو بالصورة التي تصدر عنه؛ بل بما ينتج عنه من حماية لدول الخليج، وضمان للملاحة، ومسار تفاوضي يعالج الملف النووي والضمانات الأمنية. وظلت المفاوضات والخلافات حول هرمز قائمة بعد الاجتماع.

الشرق الأوسط اليوم لا يقف بين حرب وسلام واضحين، بل بين حرب بدأت، وهدنة لم تستقر، وتسوية لم تنضج. وما سيحدد اتجاه المرحلة ليس التصريح الأعلى صوتًا، بل قدرة الأطراف على وقف تبادل الضربات، وضمان الملاحة، ومنع تحويل دول المنطقة إلى ساحات لتصفية الحسابات. فإذا فشلت هذه الشروط، فلن تكون الجولة المقبلة تكرارًا لما سبق؛ بل قد تتحول إلى أزمة إقليمية تمس الطاقة والأمن والاقتصاد معًا.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
التاريخ: 24 أكتوبر 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.