الحوثي تحت ضغط الجبهات .

الحوثي تحت ضغط الجبهات .
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
السبت الموافق ( 24 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( الاقتدار العسكري الحقيقي أن يمتلك الوطن من القوة ما يحمي أمنه ، ومن الحكمة ما يصون قراره ، ومن الجاهزية ما يحبط عدوان خصومه ، فالقوة التي تفشل أهداف المعتدي أبلغ أثرا من السلاح الذي يكتفي بإسكات نيرانه . )
المقدمة .
يشكل أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها ومصالحها الاستراتيجية المنطلق الأساسي لقراءة التطورات العسكرية في اليمن ، باعتبار أن تهديدات عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة تجاوزت حدود الصراع اليمني إلى استهداف أمن المنطقة والملاحة الدولية . ومن هذا المنظور ، فإن إضعاف القدرة الحوثية ليس غاية عسكرية مستقلة ، وإنما وسيلة لحماية المملكة من مصادر التهديد ، ودعم استقرار اليمن واستعادة مؤسسات دولته الشرعية .
1 – اقتدار المملكة وإفشال العدوان .
يرتكز الردع السعودي على تكامل الجاهزية الدفاعية والقدرة العسكرية والإرادة السياسية ، ضمن منظومة احترافية تجمع الإنذار المبكر والرصد والاعتراض والقيادة والسيطرة .
وتتجاوز القيمة الاستراتيجية للتصدي للاعتداءات تدمير الصواريخ والمسيرات ، إلى إفشال أهداف المعتدي السياسية والعسكرية ، والمحافظة على أمن السكان والمنشآت الحيوية واستقرار النشاط الاقتصادي .
وتبرز قوة هذه المعادلة في حرمان الخصم من تحويل أدوات التهديد إلى مكاسب استراتيجية ، مع صون حرية القرار الوطني واستمرار قدرة الدولة على أداء مسؤولياتها .
2 – تعز وانتزاع المبادأة .
يشير التقدم الميداني الذي أعلنته القوات المسلحة اليمنية في جبهة الأقروض ، جنوب تعز ، إلى تحسن قدرتها على الجمع بين الدفاع المتماسك والهجوم المضاد .
وتنبع أهمية الجبهة من طبيعتها الجبلية وارتباطها بمناطق المسراخ والشقب وجبل صبر ، حيث توفر المرتفعات الحاكمة مزايا في المراقبة والتحكم في طرق الاقتراب .
وتتمثل القيمة العملياتية للسيطرة على الأرض الحاكمة في تحسين الرصد وتقليص حرية مناورة الخصم ، بما يرفع كلفة محاولات استعادة المواقع ويمنح القوات الحكومية فرصا أفضل للمحافظة على مكتسباتها واستثمار النجاح .
3 – مأرب والجوف وضغط الجبهات .
تحتفظ مأرب والجوف بأهميتهما العملياتية لارتباطهما بطرق الإمداد والعمق العسكري ومناطق الانتشار .
ويفرض تعدد الجبهات على الحوثيين توزيع قواتهم واحتياطهم ووسائل إسنادهم على اتجاهات متباعدة ، مما قد يضعف قدرتهم على تركيز الجهد القتالي في جبهة واحدة .
وتزداد أهمية هذا العامل إذا تزامن الضغط الميداني مع اضطراب خطوط الإمداد ، لأن انتقال الاحتياط وتعويض الخسائر واستمرار التموين عناصر حاسمة في المحافظة على التماسك والقدرة على المناورة .
4 – باب المندب والمصالح السعودية .
تكتسب مناطق الوازعية وكهبوب وذباب والمخا ورأس العارة أهمية استراتيجية لارتباطها بالساحل الغربي وطرق الربط بين تعز ولحج ومضيق باب المندب .
وتتطلب حماية الملاحة الدولية تكامل أمن المناطق الساحلية والمراقبة البحرية والدفاعات الجوية والقدرات الاستخباراتية ، لأن السيطرة على الساحل وحدها لا تكفي لمنع التهديدات الصاروخية والمسيرات بعيدة المدى .
وتنعكس فاعلية هذا التكامل مباشرة على المصالح الاقتصادية السعودية وسلامة التجارة الدولية ، باعتبار أن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزء أساسي من أمن الملاحة الإقليمية والدولية .
5 – الاستنزاف ومؤشرات الضعف الحوثي .
تكشف طبيعة العمليات العسكرية متعددة الجبهات عن تحديات تواجه أي تشكيلات تعتمد على استمرار التعزيزات والإمداد والمحافظة على الكوادر المدربة والقيادات الميدانية المتخصصة .
فإذا تعرضت هذه العناصر لخسائر متواصلة ، أو تعطلت وسائل الاتصالات والقيادة والسيطرة ، فإن ذلك قد يربك التنسيق بين التشكيلات ويضعف سرعة الاستجابة والقدرة على إدارة الاحتياط .
وتتضاعف آثار الاستنزاف إذا اقترنت الخسائر البشرية والمادية باضطراب الإمداد والصيانة ، لأن تعويض الأفراد والمعدات لا يعني بالضرورة استعادة التماسك والخبرة والقدرة العملياتية السابقة .
ويظل الحكم على حجم الضعف الحوثي الفعلي مرتبطا بالنتائج الميدانية الموثوقة ومدى قدرة القوات الحكومية على المحافظة على تقدمها واستثمار نجاحاتها .
6 – إيران وحدود الرهان العسكري .
أسهم الدعم العسكري والتقني الإيراني للحوثيين في إطالة أمد الصراع وتهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية .
غير أن امتلاك السلاح لا يكفل تحقيق التفوق العسكري ، ففاعلية المنظومات ترتبط بالتدريب والصيانة وسلامة الإمداد وكفاءة القيادة .
ويكشف ذلك محدودية الرهان الإيراني على تسليح جماعة مسلحة لفرض نتائج سياسية دائمة ، خصوصا مع ارتفاع كلفة الاستنزاف والضغوط على شبكات التمويل والإمداد .
وتظل المصلحة السعودية العليا مرتبطة بوقف مصادر التهديد ، وصون أمنها الوطني ، ودعم استقرار اليمن ومؤسساته الشرعية .
الخاتمة .
تكشف تطورات الجبهات اليمنية أن المعركة لا تحسم بكثرة السلاح وحدها ، وإنما بالقدرة على المحافظة على المواقع ، وحماية خطوط الإمداد ، وتنسيق الجهود العسكرية ، وتحويل الإنجازات الميدانية إلى نتائج استراتيجية مستدامة .
وتؤكد هذه المعادلة أن استمرار الضغط على الحوثيين قد يقلص قدرتهم على المناورة والتعويض ، فيما تسهم بسالة القوات المسلحة اليمنية في تعزيز فرص استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب .
أما النظام الإيراني وأذرعه المسلحة ، فإن استمرار رهانهم على التهديد والاستنزاف لن يغير حقيقة أن سيادة المملكة ثابت وطني راسخ ، تصونه قوة الدولة ومؤسساتها ، وتحميه إرادة قيادتها وشعبها وبسالة قواتها المسلحة .
وعلى الحوثة تدور الدوائر ، والنصر بإذن الله لأهل الحق والثبات .
قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم :
﴿ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
( سورة الصف ، الآية الكريمة رقم 13 ) .
