*كيف يغلق صنبور العملة الصعبة عن الحرس الثوري الإيراني؟*

*كيف يغلق صنبور العملة الصعبة عن الحرس الثوري الإيراني؟*
*من تجفيف منابع التمويل إلى تقويض القدرة على إدامة الحروب .*
*رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .*
*الأحد الموافق ( 18 ) أكتوبر ( 2026 )م .*
*كتبه ؛**اللواء البحري / الركن / المتقاعد* *عبدالله بن سعيد الغامدي* *دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .*
*( تقاس فاعلية الحصار المالي بقدرته على تعطيل تمويل القوة العسكرية وتجديدها، وليس بحجم الأموال المحجوزة أو الإيرادات المفقودة وحدها . )*
*المقدمة .*
تستهدف المواجهة الاقتصادية مع الحرس الثوري الإيراني أحد أهم مراكز ثقله الاستراتيجية، وهو قدرته على الحصول على العملة الصعبة وتحويلها إلى أسلحة ومكونات عسكرية وتمويل خارجي يدعم التنظيمات الإرهابية المسلحة المرتبطة به.
وتكشف الإجراءات الأمريكية الأخيرة اتساع الضغوط من تقييد عائدات النفط إلى إستهداف المصارف وشركات الصرافة والشركات الواجهة وقنوات التسوية المالية العابرة للحدود.
*1. مؤشرات الضغوط المالية .*
أعلن قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال / براد كوبر، يوم ( 16 ) أكتوبر ( 2026 )م، أن الحصار البحري الأمريكي حال دون تصدير نفط إيراني تقدر قيمته بنحو ( 25 ) مليار دولار، وأن الولايات المتحدة ساعدت في تجميد أصول رقمية تقارب ( 350 ) مليون دولار، وفق التقديرات الأمريكية المعلنة.
*وأشار إلى تقارير تفيد بأن (( مجموعات إرهابية مسلحة مرتبطة بإيران بدأت تحويل أموال إلى الحرس الثوري بعدما اعتادت تلقي التمويل منه . )) وهو مؤشر محتمل بل مرجح حدوثه على تصاعد الضغوط المالية …، سيما إذا تأكد إستمراره.*
*2. كيف تكيفت شبكات التمويل مع العقوبات؟*
اعتمدت شبكات التمويل الإيرانية المشبوهة على الوسطاء والشركات الواجهة والمصارف الخارجية وشركات الصرافة والتحويلات غير المباشرة.
وتتيح هذه المنظومة، بحسب بيانات الخزانة الأمريكية، نقل عائدات الأنشطة الخاضعة للعقوبات وإعادة توجيهها عبر مؤسسات متعددة، بما يعقد مهمة تتبع المستفيد النهائي من الأموال.
*3. المصارف والمؤسسات المالية في بيانات الخزانة الأمريكية .*
أعلنت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية، يوم ( 28 ) أغسطس، مقترحا لمنع المؤسسات المالية الأمريكية من الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح عمليات بنك مصر في الإمارات.
واستند المقترح إلى تقديرات أمريكية بشأن معاملات بلغت نحو ( 1.8 ) مليار دولار لصالح ( 103 ) شركات يحتمل ارتباطها بشبكات التمويل الإيراني الموازي، خلال الفترة من يناير ( 2024 ) حتى يونيو ( 2026 ).
ويقتصر المقترح على عمليات البنك المحددة في الإمارات، دون شمول عملياته في مصر أو الدول الأخرى، ولا يمثل قرارا نهائيا بفرض الإجراء المقترح.
وفي ( 15 ) أكتوبر، أعلنت الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على المصرف الدولي للتنمية والاستثمار والتمويل في العراق، ومصرف جزيرة الدولي المرتبط ببنك ملت الإيراني، ومصرف تشابهار الدولي المرتبط ببنك شهر الإيراني.
وتزامن ذلك مع إدراج مصرف التجارة الدولي ( BICSA ) في كوبا من جانب وزارة الخارجية الأمريكية، التي أشارت إلى تقديمه خدمات لمصرف كارآفرين الإيراني.
وشملت عقوبات الخزانة شركات الصرافة الإيرانية ( حسيني بارسا وشركاؤه ) و( نجف زاده وشركاؤه ) و( جلالي وشركاؤه ) و( باوي وشركاؤه )، إضافة إلى شركة ( إيليت سفير للتجارة ) في هونغ كونغ.
كما شملت إجراءات أمريكية سابقة شركة ( تايتان للصرافة ) وشركة ( ألبس إنترناشيونال ) في الإمارات، وشركة ( كامينغ للتجارة ) في هونغ كونغ، ومدير فرع بنك ملي الإيراني في دبي.
وورد اسم بنك غولدن غلوبال ضمن المؤسسات التي سبق إدراجها على قوائم العقوبات، بينما أشارت الخزانة إلى استخدام شبكات مالية مسارات تمر عبر هونغ كونغ والإمارات وتركيا لتحويل الأموال إلى ذهب ونقد، دون تسمية مصرف تركي محدد ضمن عقوبات ( 15 ) أكتوبر.
وتظل هذه المعلومات منسوبة إلى البيانات الأمريكية، مع التمييز بين الجهات المعاقبة والمؤسسات المذكورة في سياق الارتباطات المالية، ودون تعميم المسؤولية على الدول التي تعمل فيها تلك المؤسسات.
*4. كيف يمكن تضييق منابع العملة الصعبة؟*
تقوم المعالجة على تعقب عائدات الأنشطة الخاضعة للعقوبات، وكشف المستفيدين الحقيقيين من الشركات الواجهة، ومكافحة غسل الأموال، وتعزيز الرقابة على التحويلات المصرفية والأصول الرقمية.
وتبرز أهمية العقوبات الثانوية في رفع المخاطر القانونية والمالية على المؤسسات التي تجري معاملات مشمولة بأحكام العقوبات الأمريكية، وفقا للقواعد والإجراءات المختصة.
والأهم استراتيجيا هو التمييز بين إيرادات الدولة الإيرانية والموارد التي تصل فعليا إلى الحرس الثوري، مع حماية التجارة المشروعة والاحتياجات الإنسانية للشعب الإيراني.
*5. من الضغط المالي إلى تراجع القدرة القتالية .*
تبدأ النتائج العسكرية عندما تتعثر المشتريات الخارجية وترتفع تكاليف الإمداد وتتراجع القدرة على تعويض المعدات والمكونات العسكرية المستهلكة.
وقد يحتفظ الخصم بقدرات قتالية قائمة اعتمادا على المخزونات السابقة والموارد البديلة، ولذلك فإن انخفاض الإيرادات وحده لا يثبت تراجع الجاهزية العسكرية.
*6. الانعكاسات على الحوثيين والتنظيمات الإرهابية المرتبطة بإيران .*
قد يؤدي تضييق موارد الحرس الثوري إلى إضعاف قدرته على تمويل شبكات الدعم العسكري الخارجية، ومنها الشبكات المرتبطة بعصابة الحوثي الإرهابية المسلحة.
ويظهر الأثر الاستراتيجي عندما تتراجع القدرة على شراء المكونات العسكرية وتجديد المخزونات والمحافظة على خطوط الإمداد، بما يحد من حرية المناورة والقدرة على تجديد الهجمات.
وتختلف درجة التأثير بحسب الموارد المحلية والمخزونات والبدائل المتاحة لكل تنظيم.
*7. مؤشرات النجاح الاستراتيجي .*
يقاس نجاح الضغط المالي بانخفاض التدفقات المتاحة للحرس الثوري، وتعثر المشتريات العسكرية، وتراجع القدرة على تعويض المعدات والذخائر والمكونات التقنية.
ويظل المؤشر العسكري الأهم ظهور تراجع موثق ومستمر في قدرة الحرس الثوري والتنظيمات المرتبطة به على تجديد قوتها ومواصلة عملياتها.
*الخاتمة .*
تكشف الإجراءات الأمريكية اتساع المواجهة المالية من تقييد الإيرادات النفطية إلى استهداف شبكات التمويل والتسويات المصرفية العابرة للحدود، مع بقاء النتائج العسكرية مرهونة بالأدلة والمؤشرات العملياتية.
*وقد يمتلك الحرس الثوري السلاح والرجال، لكن استمرار قدرته على القتال وتمويل أذرعه الإجرامية مرهون بتجدد الموارد والإمدادات. وحين تضيق منابع العملة الصعبة وتتعطل شبكات التمويل وتتراجع القدرة على تعويض الخسائر، يتحول الضغط الاقتصادي إلى أداة استراتيجية تستنزف القدرة على إدامة الحروب، وتضيق الخيارات العسكرية، وتحد تدريجيا من حرية المناورة وتجديد العدوان، بما يعزز أمن الدول واستقرار المنطقة .*
*( المال عصب الحرب والجيوش لا تقاتل طويلا بخزائن خاوية، وتجفيف منابع العملة الصعبة عن الحرس الثوري الإيراني ضربة مباشرة لمركز ثقله الاستراتيجي، فحين يجف صنبور التمويل تتراجع قدرته على إنتاج السلاح وتجديد ترسانته وتمويل أذرعه المسلحة، وتبدأ قوته العسكرية بالتآكل، فالحروب التي تفقد مصادر تمويلها تفقد تدريجيا قدرتها على الاستمرار، وأشد الهزائم وقعا تلك التي تحرم الخصم من القدرة على النهوض مجددا ) .*
كاتب رأي
