لا تكفي هزيمة الحوثة …

لا تكفي هزيمة الحوثة …
بل تجريدهم من القدرة على استعادة المبادأة .
رؤية تحليلية عسكرية .
الخميس الموافق ( 8 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( لا يكفي أن يهزم الخصم في معركة ؛ الأهم أن يفقد القدرة على استعادة المبادأة بعدها . )
في تاريخ الحروب درس لا يتغير كثيرا : هزيمة الخصم في الميدان لا تعني بالضرورة انتهاء خطره . فقد يخسر أرضا ، ويتراجع عن مواقع ، وتتعرض قواته لخسائر مؤثرة ، ثم يجد من الوقت والمساحة والموارد ما يسمح له باستعادة توازنه والعودة إلى القتال من جديد .
ولهذا لم ينظر كبار منظري الحرب إلى النصر باعتباره استعادة أرض فحسب ؛ بل ربطوه بمدى تراجع قدرة الخصم على مواصلة المقاومة واستعادة قوته القتالية .
وفي تاريخ الحروب ، كان الوقت دائما من أثمن ما يبحث عنه الخصم بعد تراجعه ؛ ففيه يعيد تنظيم وحداته ، ويستدرك خسائره ، ويعيد فتح خطوط الإمداد ، ويستعيد جزءا من فاعلية القيادة والسيطرة ، وقد يحول الهزيمة التكتيكية إلى فرصة لاستعادة التوازن العملياتي . ولهذا لم يكن استثمار النجاح في الفكر العسكري مرحلة تكميلية ؛ بل جزءا أصيلا من صناعة النصر .
ومن هنا ينبغي قراءة المواجهة الراهنة مع عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة .
فالمطلوب ليس أن يخسر الحوثة معركة فحسب ؛ بل أن يفقدوا القدرة على استعادة المبادأة بعدها . والفارق كبير بين إزاحة الخصم عن موقع ، وبين إضعاف قدرته على إعادة التنظيم والمناورة والتعويض والعودة إلى القتال بالشروط نفسها .
وهذا يعني أن قياس النتائج لا ينبغي أن يتوقف عند مساحة الأرض المستعادة ، على أهميتها ، وإنما يمتد إلى منظومة القدرة العسكرية نفسها : القيادة والسيطرة ، والاتصالات ، والاستخبارات والإنذار المبكر ، والإمداد ، والاحتياط ، والمناورة ، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة ، ومصادر التمويل والتجنيد ، والقدرة على التعويض واستمرار القتال .
وهنا تحديدا تظهر أهمية استثمار النجاح والمحافظة على زخم الهجوم .
فعندما يبدأ الخصم بفقدان المبادأة ، يصبح الوقت عاملا حاسما . وكل فرصة يحصل عليها لإعادة ترتيب قواته وإصلاح منظومة قيادته واستعادة خطوط إمداده قد تمنحه وقفة عملياتية يحتاجها ليستعيد بعض قدرته على المقاومة .
ولهذا فإن استثمار النجاح لا يعني الاندفاع غير المحسوب ، ولا الحرب من أجل الحرب ؛ وإنما يعني تثبيت المكاسب ، والمحافظة على المبادأة ، ومواصلة الضغط العسكري المنظم ، ومنع الخصم من إعادة التنظيم والتعويض واستعادة حرية المناورة .
وفي رحى المعارك الجارية تكتسب الانتصارات الميدانية قيمتها الحقيقية حين تتراكم نتائجها ، ويتواصل زخمها ، وتنتقل المبادأة من نجاح ميداني إلى تفوق عملياتي يصعب على عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة احتواؤه أو عكس اتجاهه .
وفي اليمن تزداد أهمية ذلك لأن المواجهة ليست برية فقط . فهناك الصواريخ والمسيرات ، وشبكات الإمداد والتمويل ، وأمن البحر الأحمر وباب المندب ، والقدرة على تهديد الملاحة ، فضلا عن الارتباطات الخارجية التي أسهمت في تطوير قدرات العصابة خلال سنوات المواجهة .
لذلك فإن تحييد القدرة العسكرية الهجومية على نحو مستدام هو الامتداد الطبيعي للنجاح الميداني ، وهو الذي يحول استعادة الأرض إلى مكسب يصعب على الخصم انتزاعه من جديد .
وهنا ينبغي إعطاء انتصارات الميدان حقها ؛ فالانتصار الذي ينتزع أرضا ، ويكسر اندفاع الخصم ، ويربك قيادته ، ويضغط على إمداده ، ويقيد احتياطه ومناورته ، ليس حدثا عابرا ؛ بل خطوة راسخة على طريق النصر متى أحسن تثبيته واستثمار نجاحه .
والمرحلة التي تستحق المتابعة الآن هي ما بعد فقدان الخصم للموقع : هل تأثرت معه القيادة والسيطرة ؟ هل تضررت خطوط الإمداد ؟ هل تراجع الاحتياط ؟ هل ضعفت القدرة على التعويض ؟ وهل أصبحت استعادة المبادأة أصعب من ذي قبل ؟
هذه هي المؤشرات التي تحدد عمق التحول في موازين المعركة .
فالضغط العسكري الناجح لا يقاس بحجمه وحده ؛ بل بما ينتزعه من قدرة الخصم على مواصلة القتال بالشروط التي يريدها .
وكلما تراكمت الخسائر على عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ، وتقلصت أمامها حرية المناورة ، واضطربت خطوط إمدادها ، وتراجعت قدرتها على التعويض ، أصبح استردادها للمبادأة أكثر صعوبة ، وأصبح النجاح الميداني أقرب إلى التحول إلى نتيجة عملياتية راسخة .
وبشائر النصر لا تعني إغفال حسابات الميدان ؛ بل تعني أن يقرأ النجاح بثقة ، وأن يستثمر بعزم ، وأن يبنى عليه نجاح آخر ، حتى تتراكم الانتصارات ويضيق على الخصم مجال المناورة والعودة .
فالغاية أن تتحول خسارة الحوثة للمبادأة إلى عجز مستدام عن استعادتها ، وأن تتراجع قدرتهم على المناورة والتعويض ومواصلة العدوان وفرض الإرادة بقوة السلاح .
وعندها لا تكون هزيمة الحوثة مجرد خسارة موقع أو جولة ؛ بل تحولا في ميزان القدرة والمبادأة ، يمهد لحسم أوسع في الميدان ، ويفتح الطريق أمام نصر بإذن الله تصنع مقدماته عزائم الرجال ، وتؤسس له نتائج الميدان .
قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم :
﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾
سورة آل عمران ـ الآية الكريمة رقم ( 160 ) .

