كُتاب الرأي

تحييد قدرات الحوثي الحربية الاستراتيجية .

تحييد قدرات الحوثي الحربية الاستراتيجية .

تقدير موقف عسكري واستراتيجي .

الأربعاء الموافق ( 14 ) أكتوبر ( 2026 )م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( لا تكتمل هزيمة المعتدي بإسكات سلاحه وحده ، ما دامت مصادر تمويل حربه وتسليحها قائمة ؛ فالنصر الاستراتيجي يتحقق حين يفقد القدرة على تجديد عدوانه . )

1. المقدمة .

تدخل المواجهة مع عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة مرحلة مهمة ، تتزايد فيها ضرورة تحييد مقدراتها الحربية ومصادر إدامتها ، في ظل استمرار اعتداءاتها على المدنيين والمنشآت الحيوية والملاحة الدولية ، واستنزافها موارد الشعب اليمني وإطالة معاناته .

وتتجلى بشاعة هذه الاعتداءات في الهجوم على مطار الملك خالد الدولي بالرياض يوم السبت الموافق ( 10 ) أكتوبر ( 2026 )م ، الذي أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني وفاة ( 12 ) شخصا وإصابة ( 309 ) آخرين جراءه ، ووصفه المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن بأنه جريمة حرب مكتملة الأركان ، محملا الحوثيين مسؤوليته .

ولا يمكن إغفال البعد الإسلامي الخطير لهذه الاعتداءات ، في ضوء التهديدات الصاروخية السابقة لأمن منطقة مكة المكرمة ، والاعتداء الذي أعلن التحالف مسؤولية الحوثيين عنه على محطة طيبة لتوزيع الكهرباء بالمدينة المنورة .

إن تعريض أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة وضيوف الرحمن للخطر يمثل تجاوزا بالغ الخطورة ، يمس أمن المقدسات الإسلامية وسلامة قاصديها ومشاعر المسلمين في أنحاء العالم .

2. الموقف العسكري الراهن .

أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت منشآت قال التحالف إن الحوثيين يستخدمونها لإسناد مجهودهم الحربي ، شملت محطة الصباحة المركزية في صنعاء ومخازن احتياطية للوقود تحت الأرض ، ومرافق لتخزين الوقود ونقله وتفريغه في صنعاء والحديدة وذمار .

وتبرز أهمية هذه التطورات في الانتقال من التعامل مع الأسلحة المستخدمة في الاعتداءات إلى فهم المنظومة التي تمكن من تشغيلها وصيانتها وتجديدها ، مع ضرورة التحقق من النتائج العسكرية والمحافظة على سلامة المدنيين .

3. التحليل العسكري والاستراتيجي .

أولا ؛ مصادر إدامة القدرة الحربية الحوثية .

لا تقوم القدرة الحوثية على الصواريخ والطائرات المسيرة وحدها ، وإنما تستند إلى منظومة متكاملة من المقدرات العسكرية والمادية والمالية ، أبرزها :

أ. خزانات الوقود السطحية وتحت الأرضية المخصصة فعليا للاستخدام العسكري .

ب. مستودعات الأسلحة والذخائر والمدخرات العسكرية ومخزونات الصواريخ والطائرات المسيرة .

ج. منشآت التصنيع والتجميع والصيانة العسكرية ومخازن المعدات وقطع الغيار .

د. منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية ومرافق التدريب الإرهابية والتعبئة .

هـ. شبكات الإمداد والتموين والتمويل والتهريب غير المشروع التي تساعد على تعويض الخسائر وتجديد القدرات .

و. شبكات التجنيد القسري والاستيلاء على الإيرادات العامة التي تستنزف أبناء اليمن وموارده .

وتكمن الأهمية الاستراتيجية في أن تراجع القدرة على تعويض الخسائر العسكرية يحول الاستنزاف المتراكم إلى انخفاض مستمر في الجاهزية القتالية وحرية المناورة ، ويحد من قدرة الجماعة على فرض إرادتها العسكرية .

ثانيا ؛ التدخل العسكري الإيراني وأذرعه الإقليمية .

تناولت تقارير دولية أدوارا مرتبطة بما يسمى بالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس وحزب الله اللبناني وجماعات عراقية إرهابية مسلحة مرتبطة بإيران في تقديم التدريب والخبرات والتقنيات والدعم العسكري للحوثيين .

وبرأيي فإن استمرار هذا الدعم يسهم في إطالة الحرب وتعزيز قدرة الجماعة على تهديد اليمن وجيرانه والملاحة الدولية .

ويقتضي التعامل مع شبكات التدخل العسكري الخارجي مكافحة التمويل والتسليح غير المشروع ، والتحقق من طبيعة مشاركة أي عناصر أجنبية في الأعمال العدائية ، وفقا للقانون الدولي الإنساني .

ثالثا ؛ مسؤولية القوات المسلحة اليمنية .

تضطلع القوات المسلحة اليمنية بمسؤولية وطنية محورية في استعادة سيادة الدولة ، وضبط المخزونات العسكرية غير المشروعة ، ومكافحة شبكات التهريب والتجنيد القسري ، واستعادة المؤسسات والإيرادات العامة .

وتبقى تضحيات القوات المسلحة اليمنية وصمودها أساسا لاستعادة الدولة ، وتحويل المكاسب العسكرية إلى أمن واستقرار دائمين ، بما يحفظ لليمن سيادته ووحدته ومقدرات شعبه .

وتبرز أهمية تكامل الجهد الاستخباراتي والأمني في كشف شبكات التهريب والتمويل غير المشروع ، وتعزيز أمن المعلومات والاتصالات ، ومنع تسرب المعلومات التي قد تعرض القوات والمدنيين للخطر .

ولا يعني تحييد القدرة الحربية تدمير مقدرات الشعب اليمني ؛ فالموانئ ومحطات الكهرباء والمياه والوقود والمنشآت الاقتصادية المدنية ليست أهدافا عسكرية لمجرد خضوعها لسيطرة الحوثيين .

وتظل قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين ضوابط أساسية لأي عمل عسكري مشروع .

4. الاستنتاجات العسكرية والاستراتيجية .

أ. تمثل مخزونات الأسلحة والذخائر والوقود العسكري ومنشآت التصنيع والصيانة عناصر مؤثرة في استدامة القدرة الحوثية .

ب. يسهم التمويل غير المشروع والتهريب والدعم العسكري الخارجي في تعويض الخسائر وإطالة الحرب .

ج. تتطلب استعادة السيادة ضبط المقدرات العسكرية غير المشروعة ، وإنهاء استغلال الإيرادات العامة والتجنيد القسري ، وإعادة الموارد إلى مؤسسات الدولة .

د. تفرض حماية الشعب اليمني المحافظة على المنشآت المدنية والخدمات الأساسية ، وعدم الخلط بينها وبين المقدرات العسكرية .

هـ. يقاس النجاح العسكري بمدى تراجع قدرة الحوثيين على تمويل الحرب وتجديد وسائلها ، واستعادة الدولة اليمنية سيادتها ومواردها ، وحماية شعبها من استمرار الاعتداءات .

الخاتمة .

إن تحييد القدرات الحربية الحوثية لا يكتمل بإسكات منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات ، بل بإنهاء المنظومات غير المشروعة التي تمول الحرب وتجدد وسائلها ، دون المساس بمقومات حياة الشعب اليمني .

فلا تكفي هزيمة المعتدي في الميدان ما دامت لديه القدرة على تجديد عدوانه ؛ وإنما يكتمل النصر بتفكيك منظومة إدامة حربه ، واستعادة الدولة اليمنية سيادتها ، وعودة مقدرات الوطن إلى أبنائه ، وإنهاء معاناة الشعب اليمني النبيل .

ونسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية وقيادتيهما وشعبيهما الشقيقين ، وأن يحفظ الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن ، ويرحم الضحايا ويشفي المصابين ، ويعيد إلى اليمن أمنه ووحدته وسيادته ، إنه سميع مجيب الدعاء .

قال الله تعالى في محكم التنزيل العزيز الكريم ؛

﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ .

سورة آل عمران ـ الآية الكريمة رقم ( 126 ) .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.