كُتاب الرأي

من تعز إلى باب المندب ..

من تعز إلى باب المندب ..

معركة التباب واستنزاف القدرات الحوثية .

رؤية تحليلية عسكرية .

الثلاثاء الموافق ( 13 ) أكتوبر ( 2026 )م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( تصنع الانتصارات عزيمة الرجال وثباتهم ، وكفاءة القيادة ، وتكامل النيران والمناورة ، وانتزاع المبادأة ، واستثمار النجاح حتى تحقيق الأهداف العسكرية والاستراتيجية . )

تتواصل العمليات العسكرية في اليمن الشقيق ضمن عملية فجر اليمن ، وسط مواجهات بين القوات الحكومية وعصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة في جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ، فيما يكتسب باب المندب أهمية استراتيجية خاصة لأمن الملاحة الدولية . وتتصل هذه المواجهات بالمرتفعات الحاكمة ومحاور المواصلات ومراكز الثقل وخطوط الإمداد ، في معركة تتجاوز استعادة المواقع إلى استنزاف القدرة القتالية الحوثية وانتزاع المبادأة .

وفي تعز ، أعلنت القوات الحكومية اليمنية استعادة تبة مهيوب ثابت وتبة وثيب ومدرسة الفرقان في قرية الذنيب بجبهة الأقروض ، بالتزامن مع أنباء عن غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات عسكرية حوثية في عدد من محاور المحافظة .

وتبرز أهمية معركة التباب والمرتفعات الحاكمة في تأثير السيطرة عليها في المراقبة الميدانية وحماية المواصلات وحرية المناورة . فالمرتفعات عناصر مؤثرة في ميزان القوة ، وتكتمل قيمتها العملياتية بتأمينها والمحافظة عليها وحماية الطرق المرتبطة بها . كما أن تغير السيطرة عليها ينعكس على توازن الجبهات واستمرار الإمداد ، بما يجعلها عنصرا مهما في معادلة الاستنزاف العسكري .

وتكتسب منطقة التربة وطرق الاتصال بجنوب اليمن أهمية عملياتية وإنسانية بالغة ، لما تمثله من شرايين للمواصلات والإمداد ، وما يترتب على تهديدها من آثار مباشرة في حركة القوات ووصول الاحتياجات الأساسية إلى المدنيين .

وتعتمد التشكيلات الحوثية على المشاة والمدفعية والهاونات والوحدات الصاروخية والطائرات المسيرة ، إلى جانب وسائل الاستطلاع وشبكات التموين . وتستفيد من طبيعة الأرض الجبلية والتحصينات ، فيما تمثل القيادة والسيطرة والاتصالات عنصرا أساسيا في تماسك تشكيلاتها وتنسيق أعمالها وإعادة توزيع قواتها بين الجبهات .

أما التعزيزات والاحتياط الحوثي ، فإن اتساع المواجهات في تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف يضع قدرة التشكيلات الحوثية على توزيع قواتها وإسناد جبهاتها وتعويض خسائرها أمام اختبار متواصل . ويمثل الاحتياط العسكري عنصرا أساسيا في المحافظة على توازن التشكيلات واستمرار قدرتها القتالية ، وأي تراجع ملموس في قدرته على إسناد الجبهات سيكون مؤشرا مهما على تصاعد الاستنزاف وتقلص حرية المناورة .

أما الساحل الغربي وباب المندب ، فقد أعلنت القوات الحكومية اليمنية السيطرة على جبال كهبوب وتحقيق تقدم في الوازعية ، بالتزامن مع استمرار المواجهات في نطاق ذباب والمناطق المحيطة بها . وتكتسب المرتفعات الساحلية أهمية استراتيجية لارتباطها بالمخا وباب المندب وجزيرة ميون ، وتأثيرها في المواصلات وأمن الملاحة الدولية . وتبقى القيمة العملياتية للمكاسب المعلنة مرتبطة بتثبيت السيطرة وتأمين المواقع .

وفي مأرب ، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع وآليات عسكرية حوثية في الجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية ، فيما تحتفظ الجوف بأهميتها الاستراتيجية لاتصالها بالمحاور الشمالية والشرقية .

وتتجلى أهمية الترابط بين تعز وباب المندب في أن الأولى تمثل عقدة استراتيجية للمواصلات البرية ، بينما يشكل الثاني ممرا حيويا للملاحة الدولية . ومن ثم فإن تطورات الجبهتين تنعكس على حرية الحركة والإمداد والتوازن العسكري العام .

وبرأيي ، فإن الاستنزاف الحقيقي للقدرات الحوثية يقاس بتراجع القدرة على تعويض الخسائر والمحافظة على التشكيلات والاحتياط واستمرار القيادة والسيطرة والاحتفاظ بالمواقع . وتكتسب العمليات الجوية قيمتها من تأثيرها الفعلي في القدرة القتالية للخصم ، ومن قدرة القوات البرية على استثمار نتائجها وتحويل المكاسب إلى سيطرة مستقرة على الأرض .

ويبرز الدور الإيراني التخريبي في اليمن من خلال الدعم العسكري والتقني الممنهج الذي قدمه الحرس الثوري الإيراني للحوثيين ، بما شمل التسليح والتدريب ونقل الخبرات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة . لقد جعل النظام الإيراني من الأراضي اليمنية ساحة لتمديد نفوذه وتهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية ، ودفع الشعب اليمني ثمن هذا التدخل من أمنه واستقراره ومقدرات وطنه .

وإلى رجال القوات المسلحة اليمنية البواسل ، فإن المرحلة تستدعي تعزيز وحدة الصف وترسيخ التلاحم بين الجبهات ، والثبات في الميدان ، وتماسك الجبهات ، وانتزاع المبادأة ، واستثمار النجاح . فقد أثبتت تجارب الحروب أن معرفة الخصم ، وصلابة الإرادة ، وكفاءة القيادة ، وارتفاع الروح المعنوية من أعظم أسباب النصر . وفي مواجهة التدخل العسكري الإيراني ، يحضر التعبير العربي التراثي ( ضرب غرائب الإبل ) ، دلالة على شدة الحزم في دفع العدوان وإنهاء أسباب استمرار الحرب . ويستحق رجال اليمن التقدير على تضحياتهم ، وكذلك قوات التحالف لدعم الشرعية على جهودها في مساندة الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية .

وفي تقديري ، فإن النصر الاستراتيجي تصنعه عزيمة الرجال ، وكفاءة القيادة ، ووحدة الصف ، وتكامل القدرات ، والمحافظة على الأرض ، واستثمار النجاح . وعندما تتراكم المكاسب الميدانية وتترسخ مؤسسات الدولة ، تقترب ساعة استعادة اليمن لسيادته وأمنه واستقراره ، ويكتب رجاله صفحة جديدة من تاريخه الوطني المجيد .

قال الله تعالى :

﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾

سورة آل عمران ـ الآية الكريمة رقم ( 160 ) .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.