محاذير طلب الخصم السلام

محاذير طلب الخصم السلام
رؤية تحليلية عسكرية .
الأحد الموافق ( 4 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( عندما يتحدث الخصم عن وقف القتال تحت ضغط العمليات ، لا تسأل أولا ماذا قال ؛ بل اسأل : ما حال قوته ، وماذا سيكسب من الوقت ، وأين سيدفع احتياطه إذا سكنت الجبهة ؟ )
1 ـ الموقف .
في تقدير الموقف العسكري ، لا يقرأ طلب السلام منفصلا عن حالة الميدان . فالتوقيت جزء من المعلومة ، وقد يكون أهم من مضمونها . وقد أعلنت القيادة اليمنية بدء عمليات عسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية ، بالتزامن مع اتساع الضربات على أهداف حوثية إرهابية في أكثر من منطقة .
لكن الإعلان عن الهجوم المضاد لا يعني أن المبادأة انتقلت ميدانيا بالفعل ؛ فالصراع عليها ما زال قائما ، والخصم ما زال يحتفظ بقدرة على الضغط والمناورة في بعض الجبهات . ومن هنا يصبح واجبا إخضاع أي حديث عن وقف القتال لحسابات العمليات قبل التعامل معه بوصفه تحولا سياسيا مكتملا .
2 ـ التوقيت والدلالة العملياتية .
حديث قيادي حوثي عن استعداد الجماعة الإرهابية لوقف العمليات العسكرية ، في توقيت بدأت فيه القوات اليمنية عملياتها المعلنة لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية ، يفرض سؤالا عسكريا مباشرا : لماذا الآن ؟
وفي ظل اتساع العمليات والضغط الناري ، فإن وقف العمليات قد يمنح الخصم أثمن ما يحتاج إليه أثناء القتال : الوقت .
والوقت يعني إعادة تجميع المجاميع ، واستكمال النقص ، وتحريك الاحتياط ، وإخلاء المواقع المهددة ، وإعادة تموضع الأسلحة ، واستعادة كفاءة منظومة القيادة والسيطرة والإتصالات، وتأمين خطوط الإمداد ، وإعادة توزيع الذخائر والصواريخ والمسيرات .
وبلغة العمليات ، قد يعني ذلك إعادة تكوين القدرة القتالية قبل الجولة التالية .
3 ـ المبادأة وزخم الهجوم .
إعلان الهجوم المضاد يفتح مرحلة جديدة من الصراع على المبادأة ، لكنه لا يحسمها بمجرد صدور القرار . فانتزاع المبادأة يحتاج إلى تحويل النيران والضغط إلى نتائج ميدانية متتابعة ، ثم استثمارها قبل أن يعيد الخصم تنظيم دفاعاته وقواته .
والخصم الواقع تحت الضغط يحتاج إلى الوقت لاستعادة التوازن ، بينما تحتاج القوة المهاجمة إلى المحافظة على زخم عملياتها إذا أرادت تحويل الضغط إلى مكاسب على الأرض .
وهنا تصبح الهدنة غير المنضبطة عاملا يمكن أن يؤثر مباشرة في ميزان المبادأة .
4 ـ إعادة توزيع القوة .
مع اتساع العمليات إلى أكثر من محور ، تزداد أهمية منع الخصم من المناورة باحتياطياته بين الجبهات ؛ لأن تثبيت الاحتياط وتشتيت قدرته على إعادة توزيعه قد يصبحان من أهم الآثار العملياتية لتعدد محاور الضغط .
فهدوء محور واحد قد يسمح للخصم بسحب قوات ووسائط نارية واحتياط منه ، ثم دفعها إلى محور آخر أكثر أهمية .
ولذلك لا يكفي أن نسأل أين توقفت النيران ؛ بل يجب أن نسأل : أين تحركت الوحدات التي كانت تقاتل هناك ؟ وأين ذهب الاحتياط ؟ وأين أعيد نشر الصواريخ والمسيرات ؟
5 ـ خطوط الإمداد وإعادة بناء القوة .
الضغط المتواصل لا يستهدف القوة الأمامية وحدها ، وإنما يضغط كذلك على منظومة الإسناد خلفها .
وإذا منح الخصم فترة هدوء ، فقد يستغلها لإعادة فتح طرق الإمداد ، ونقل الذخائر ، وإخلاء الخسائر ، وتعزيز المواقع الحاكمة ، وتحويل بعض نقاط الضعف إلى دفاعات أكثر تماسكا .
وهنا يأتي أحد أخطر المحاذير : أن يتحول السلام من غاية سياسية إلى ساتر عملياتي لإعادة بناء القوة .
6 ـ اختبار المصداقية .
مصداقية أي وقف للقتال لا تقاس بالتصريحات ، وإنما بالمؤشرات الميدانية : توقف النيران ، وتوقف التحشيد ، وتجميد التعزيزات ، وعدم تحريك الاحتياط إلى محاور أخرى ، ووقف إعادة التموضع الهجومي ، ووجود آلية تحقق تمنع استغلال الهدوء في إعادة بناء القوة .
كما ينبغي مراقبة نشاط الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات ؛ فالهدوء قد يستخدم لتحديث صورة الموقف ، ورصد انتشار القوات المقابلة ، وتحديث بنك الأهداف وإعادة ترتيب أولوياته استعدادا لمرحلة لاحقة .
فالسلام الحقيقي لا يتعارض مع الحذر العسكري ؛ بل إن الحذر هو الذي يحمي السلام من أن يتحول إلى استراحة بين جولتين .
الاستنتاجات .
الحديث عن الإستعداد لوقف العمليات في هذا التوقيت ينبغي أن يقرأ في ضوء الموقف العسكري كله ، لا بوصفه دليلا قائما بذاته على تغير ميزان القوة أو انتقال المبادأة .
وإعلان الهجوم المضاد يمثل تحولا مهما في القرار والغاية العملياتية ، لكن الحكم على نجاحه يبدأ عندما تتحول النيران والخطط إلى نتائج ثابتة على الأرض .
اختبروا الفعل قبل القول ، وراقبوا الإحتياط ، وحركة الإمداد ، والقيادة والسيطرة والإتصالات، وإعادة التموضع ، ولا تفترضوا أن إعلان السلام يعني انتهاء قدرة الخصم أو إرادته على مواصلة القتال .
فالقاعدة التي لا ينبغي أن تغيب عن تقدير الموقف هي :
لا تمنح الخصم بالوقت ما عجز عن انتزاعه بالإرهاب ؛ ولا توقف زخم العمليات قبل أن تتحقق من أن وقف القتال لم يتحول إلى فرصة لإعادة تكوين القوة واستعادة القدرة على المبادأة .
