عصابة الحوثي في مأزق .

عصابة الحوثي في مأزق .
رؤية تحليلية عسكرية .
الأربعاء الموافق ( 7 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( حين يضطر الخصم إلى القتال على جبهات متعددة ، ويفقد بعض الأرض الحاكمة وحرية المناورة ، يصبح السؤال العسكري ليس أين سيتراجع فقط ؛ بل أين سيدفع احتياطه ، وأي جبهة سيعززها على حساب الأخرى . )
عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة في مأزق . ليس لأن الحرب حسمت ، ولا لأن الطريق إلى صنعاء أصبح مفتوحا ، ولكن لأن تطورات الميدان بدأت تفرض عليها معادلة أكثر تعقيدا : جبهات تتسع ، وأرض حاكمة تنتزع منها ، واحتياط مطلوب في أكثر من اتجاه ، وضغط متزامن على قدرتها على الحركة والمناورة والإمداد .
ومع تواصل عملية فجر اليمن ، اتسعت العمليات على محاور الساحل الغربي وتعز ومأرب ، وأكدت القيادة اليمنية أن العملية تمضي وفق أهدافها وخططها المعتمدة ، وأن القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية تحقق تقدما في عدد من محاور القتال .
وفي باب المندب والساحل الغربي كانت البداية ذات وزن استراتيجي . فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية استعادة باب المندب ومطار ذو باب ، وقطع الطريق الرابط بين ذو باب والمخا والسيطرة النارية عليه ، بعد عملية التفاف شاركت فيها قوات يمنية متعددة . وهذه الجبهة لا تقاس بمساحتها وحدها ؛ فباب المندب عقدة استراتيجية ترتبط بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية ، والسيطرة على الأرض المحيطة به تمنح ثقلا عملياتيا يتجاوز حدود الجبهة نفسها .
وفي تعز تفرض نتائج الميدان دلالتها العملياتية . فقد أعلنت القوات اليمنية السيطرة على التباب الاستراتيجية المطلة على جبل المنصورة في مديرية الوازعية بعد معارك مع عناصر الحوثيين . والوازعية ليست مجرد اسم على الخريطة ؛ فمرتفعاتها وطرقها جزء من منظومة الحركة بين تعز والساحل الغربي ، والسيطرة على الأرض الحاكمة تعزز الرصد والنيران وحماية الحركة والإمداد .
وفي حيفان جنوب تعز جاء تقدم آخر . إذ أعلنت القوات الحكومية استعادة جبال المنظرة والأشاريف وذيبان ، بالتزامن مع استمرار المواجهات على عدد من جبهات تعز . وهنا تظهر إحدى أهم علامات التحول : فتح محاور ضغط متزامنة تجبر الخصم على توزيع قواته ونيرانه واحتياطاته .
أما مأرب ، فالميدان يحمل دلالة لا تقل أهمية . فقد أعلنت القوات المسلحة استعادة سلسلة جبال ثمد والقايمة والمقيلات وعكد القايمة والرصيد ومساحات صحراوية محيطة بها في الجبهة الجنوبية ، كما أعلنت إسقاط طائرة مسيرة وإحباط محاولات حوثية لاستعادة مواقع فقدتها .
وهذه ليست مكاسب تكتيكية منفصلة ؛ فكل أرض حاكمة تستعاد ، وكل محور يفتح ، وكل هجوم مضاد يحبط ، يضيف عبئا جديدا على منظومة القيادة والسيطرة والإمداد لدى عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة .
وهنا تحديدا يقع المأزق .
فالمشكلة بالنسبة لعصابة الحوثي الإرهابية المسلحة لم تعد في خسارة موضع أو مرتفع فحسب ، وإنما في اتساع مساحة القرار أمام القوات اليمنية مقابل تضييق مساحة القرار أمامها ؛ فأي قوة تدفعها لتعزيز تعز قد تحتاجها في مأرب ، وأي احتياط تحركه نحو الساحل قد يفتح ثغرة في محور آخر ، وكلما تعددت اتجاهات التهديد تقلصت حرية المناورة وازدادت صعوبة تحديد الجهد الرئيسي ومواجهة الضربة التالية .
فالقيادة التي تعرف اتجاه الجهد الرئيسي تستطيع حشد القوة لمواجهته ؛ أما حين تتعدد المحاور ولا يتضح اتجاه الضربة الحاسمة ، فإنها تضطر إلى توزيع القوات ، وإعادة تحريك الاحتياط ، وحماية أكثر من مركز ثقل في الوقت نفسه .
ولهذا لا تبحثوا عن الجهد الرئيسي في أكثر الجبهات نشاطا .
فقد تكون الجبهة الأكثر نشاطا مخصصة للتثبيت والاستنزاف ، وقد تكون حركة أخرى تمهيدا للمناورة ، بينما يحتفظ المخطط بالجهد الرئيسي والاحتياط للحظة والمكان اللذين يحققان أكبر أثر في منظومة الخصم .
وحتى لجوء الحوثيين إلى توسيع استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة ضد أهداف خارج خطوط التماس ، ومن ذلك ما أعلنته وزارة النقل اليمنية عن استهداف مطار عدن الدولي صباح اليوم ، يمكن قراءته عسكريا بوصفه محاولة للضغط على العمق وإرباك إيقاع العمليات واستعادة قدر من المبادأة .
لكن الفخر بما يحققه رجال القوات المسلحة اليمنية ينبغي أن يكون دافعا إلى مزيد من العزم واستثمار النجاح ؛ فالمكاسب الميدانية تكتسب قيمتها الحقيقية حين تثبت وتبنى عليها المرحلة التالية .
وبشائر النصر في الميدان ظاهرة ؛ ويكتسب كل نجاح تكتيكي قيمته حين يتحول إلى نجاح عملياتي ، وكل نجاح عملياتي حين يقود إلى مكسب استراتيجي ، مع المحافظة على زخم الهجوم واستثمار النجاح حتى بلوغ الغاية .
فالمرحلة الحالية تحتاج إلى العزم والانضباط معا ؛ تثبيت الأرض المستعادة ، وتأمين الأجناب ، وحماية خطوط الإمداد ، والمحافظة على وحدة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والإنذار المبكر ، وتشديد أمن العمليات والمعلومات ، ومنع التصوير غير المنضبط ، وإبقاء الاحتياط جاهزا لاستثمار النجاح عند ظهور الفرصة المناسبة .
وكل موضع يستعاد اليوم ينبغي ألا يكون نهاية هجوم ؛ بل نقطة انطلاق للمرحلة التالية .
ومعيار النجاح الأكبر ليس عدد المواقع التي تستعاد في يوم واحد ، وإنما قدرة القوات المسلحة اليمنية على تحويل النجاحات التكتيكية المتتابعة إلى نجاح عملياتي متصل ، ثم تحويل ذلك النجاح إلى ضغط استراتيجي يقيد حرية حركة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ومناورتها وقدرتها على اختيار زمان المعركة ومكانها .
وهنا تتشكل ملامح المأزق الحقيقي ؛ كلما تقلصت أمام عصابة الحوثي حرية اختيار المعركة ، واضطرت إلى ملاحقة التهديدات بدلا من فرضها ، وإلى دفع احتياطاتها تحت ضغط تعدد الجبهات ، ازدادت صعوبة المحافظة على المبادأة وحرية المناورة .
فإذا استمرت القوات المسلحة اليمنية في المحافظة على زخم العمليات ، وتثبيت المكاسب ، وتأمين خطوط الإمداد ، واستثمار النجاح ، فإن المأزق العملياتي سيتعمق ، وسيكون الميدان وحده هو الذي يحدد متى يتحول الضغط المتراكم إلى تحول استراتيجي أكبر .
هذه هي بشائر الميدان التي تستحق الفخر ؛ رجال يتقدمون ، ومواقع تستعاد ، وتتزايد مؤشرات انتقال المبادأة الميدانية إلى القوات اليمنية ، ومعركة تدار بعزم لا يفتر ، وانضباط لا يتراخى ، وإرادة لا تتوقف في منتصف الطريق .
والنصر لا يقاس بكثرة البيانات ولا بسرعة تغير الخرائط ؛ بل بالنتائج العملياتية المتراكمة ، وتآكل قدرة الخصم ، والمحافظة على زخم العمليات ، واستثمار النجاح حتى بلوغ الغاية الاستراتيجية . فالنصر ثمرة ثبات المقاتل ، وحسن إدارة القائد ، ووحدة الجهد ، واستمرار زخم العمليات ، ثم توفيق الله فوق كل حساب .
﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .
سورة آل عمران ـ الآية الكريمة رقم ( 126 ) .

