من الأرض الحاكمة إلى العمق

من الأرض الحاكمة إلى العمق
هل بدأ الهجوم المضاد؟
تقدير موقف عسكري .
الأحد الموافق ( 4 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( قد تخسر الجيوش موقعا فتستعيده ، أما إذا خسرت إرادتها فقد خسرت قبل انتهاء المعركة . )
التطورات الأخيرة في تعز تستحق قراءة تتجاوز أخبار الاشتباكات وعدد الضربات ؛ لأن السؤال العسكري لم يعد : هل تستطيع القوات المسلحة اليمنية وقف اندفاع عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة؟ بل أصبح : ( هل بدأت القوات الانتقال من صد الهجوم إلى الهجوم المضاد ، ومنه إلى استعادة المبادأة؟ )
المعلومات المعلنة تقدم مؤشرات مهمة . فقد استعادت القوات المسلحة اليمنية ، مسنودة بالمقاومة الشعبية والقبائل اليمنية المناصرة لها ، المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين ، وسيطرت على جبل الجعشة بعد إحكام السيطرة على حصن سامع ، بالتزامن مع هجمات معاكسة في جبل حبشي والكدحة والشمايتين .
وهذه ليست مجرد أسماء على الخريطة .
ففي تقدير الموقف لا تقاس أهمية التبة أو الجبل بمساحته ، بل بما يمنحه من مراقبة وإشراف وسيطرة على طرق الحركة ومحاور القتال . ولذلك تكتسب مرتفعات حصن سامع وجبل الجعشة وجبل هان أهميتها من تأثيرها في حرية الحركة والقدرة على المناورة جنوب تعز وغربها .
( فالسيطرة على الأرض الحاكمة لا تعني امتلاك التبة وحدها ، بل حرمان الخصم مما كانت تمنحه له من رصد ونيران وحرية حركة . )
وفي جبهة الضباب ، صدت القوات هجوما للميليشيات الحوثية على جبل هان وحذران ، وأفشلت محاولات تسلل في العنين بمديرية جبل حبشي وجبل هان . كما امتدت المواجهات إلى الكدحة وبني بكاري ، فيما أشارت التقارير الميدانية للمصادر الإعلامية ( المفتوحة) إلى إستهداف تجمعات وآليات حوثية في جبل غراب وتبة القرن ، إلى جانب أهداف في الجبهتين الشمالية والشرقية للمدينة .
وهنا تظهر أولى دلائل و مؤشرات تغير ميزان الفعل الميداني بين الطرفين .
فالميليشيات الحوثية لم تعد تحتفظ بحرية الضغط من طرف واحد كما كانت عليه الحال في بداية اندفاعها . وعندما تبدأ القوة التي كانت في موقف الدفاع بشن هجمات معاكسة على أكثر من محور ، تضطر القوة المهاجمة إلى إعادة توزيع عناصرها وتحريك احتياطها وحماية طرق إمدادها والمواقع التي تقدمت إليها . وعندها يبدأ مكسب الأمس في استهلاك جزء من قوة اليوم .
وتضيف الخسائر المعلنة مؤشرا آخر . فبحسب البيانات العسكرية اليمنية المعلنة ، سقط عشرات من العناصر الحوثية الإرهابية بين قتيل ومصاب في معارك حصن سامع وجبل الجعشة . وفي جبهة الأقروض ، أعلن محور تعز مقتل ( 30 ) عنصرا حوثيا وإصابة ( 50 ) آخرين . وتبقى أرقام الخسائر البشرية المعلنة بحاجة إلى تحقق مستقل كامل .
كما أعلنت القوات اليمنية تنفيذ ( 71 ) عملية استهداف دقيقة في عدد من المحاور ، شملت الأقروض وسامع والأحكوم والأكبوش وجبل راسن وجبل جرداد وبني عمر وبني بكاري والكعاوش والأثاور . وهذا الاتساع في نطاق الاستهداف أهم عسكريا من الرقم المجرد ؛ لأنه يكشف عن امتداد الضغط عبر عدة محاور في وقت متقارب .
والدلالة الثانية تتصل بالقوة الجوية والقيادة والسيطرة والإتصالات والإمداد .
فالإسناد الجوي والاستهدافات المتزامنة مع التحرك البري تضيف بعدا مهما للمعركة ؛ إذ يمتد الضغط من خطوط التماس إلى العمق ومناطق التجمع والتعزيز .
( وعندما يتزامن ضغط القوات البرية مع الإسناد الجوي ، يتوزع جهد الخصم بين تثبيت خطوطه الأمامية وحماية تجمعاته واحتياطه وتعزيزاته في العمق ، فتزداد عليه أعباء القتال وتتراجع حرية المناورة كلما استمر الضغط . )
وهنا يبرز بعد أخطر في تقدير الموقف : الاستعانة بالدعم والخبرة الإيرانية في حرب يمنية يدفع ثمنها اليمنيون . فقد أبلغت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بمشاركة خبراء من الحرس الثوري الإيراني في تعديل أسلحة إيرانية المنشأ داخل اليمن ، إلى جانب حديثها عن استمرار الدعم العسكري والتقني الإيراني للميليشيات الحوثية . وهي معطيات يمنية شرعية رسمية تستدعي تحقيقا دوليا مستقلا في تفاصيلها وأبعادها ، وهذا يعني بشكل مباشر أن الأمر يتجاوز الدعم السياسي الخارجي إلى إمتداد فني وعسكري ( أجنبي معادي ) داخل حرب يخوضها الحوثيون الإرهابيون ضد أبناء وطنهم .
والأخطر أن هذا الدعم لا يعمل في فراغ ؛ فإلى جانب عناصر الميليشيات الحوثية المسلحة ، تستقطب الجماعة أفرادا من بعض البيئات القبلية اليمنية المتمردة وتدفع بهم إلى جبهات القتال ، بينما تستفيد قيادتها من خبرة وتسليح وتقنية قادمة من الخارج .
وهنا تتجلى المفارقة القاسية : خبرة أجنبية وسلاح وتقنية من الخارج ، بينما الدم الذي يسيل على الأرض يمني الأصل والعروبة .
وهذا يضع مسؤولية إضافية على قيادة عصابة الحوثي ؛ فاستدعاء الخبرة العسكرية الأجنبية إلى الداخل اليمني لا يضيف قدرة فنية وتسليحية فحسب ، بل يربط قرار الحرب المحلي بحسابات إقليمية أوسع .
أما الدلالة الثالثة فهي المعنويات .
فاستعادة الأرض بعد فقدانها لها قيمة تتجاوز الخريطة ؛ لأنها تثبت أن الاختراق ليس نهاية المعركة ، وأن الهجوم يمكن وقفه ، وأن القوات البرية اليمنية والجوية والمقاومة الشعبية والقبائل اليمنية المناصرة لها ما زالت تحتفظ بالتماسك والقدرة على إستعادة الفعل .
وفي الحرب تتغذى المعنويات من الوقائع أكثر مما تتغذى من الكلمات .
وفي الاتجاه المقابل ، فإن خسارة الميليشيات الحوثية مواقع سبق الاستيلاء عليها ، وتعطل اندفاعها ، والحاجة إلى إعادة توزيع قواتها واحتياطها لحماية الإمداد والمواقع المتقدمة ، كلها ترفع العبء العملياتي عليها وتحد من قدرتها على الاحتفاظ بزخمها .
لكن تقدير الموقف لا يسمح بالقفز من المؤشرات إلى النتائج . فلا توجد حتى الآن معطيات كافية للقول إن المبادأة انتقلت بصورة كاملة ، كما لا يوجد ما يثبت بدء هجوم بري واسع على الساحل الغربي وباب المندب . وفي مأرب والجوف يستمر الضغط والاستهداف ، ولكن دون تغير كبير موثق في خطوط السيطرة يوازي ما ظهر في تعز .
والأيام المقبلة ستجيب عن ثلاثة أسئلة : ( هل تثبت القوات المواقع المستعادة؟ هل يتسع الهجوم المضاد جغرافيا؟ وهل تضطر الميليشيات الحوثية إلى سحب احتياطها وإعادة توزيعه لحماية الإمداد والمواقع التي سبق أن تقدمت إليها؟ )
إذا اجتمعت هذه المؤشرات ، فلن نكن أمام نجاح تكتيكي محدود فحسب ، بل أمام بداية تحول في المبادأة وميزان العمليات .
لا تبالغوا في نصر لم يكتمل … ولكن لا تقللوا من قيمة قوة أوقفت الاندفاع ، واستعادت أرضا حاكمة ، وأبقت قدرتها على الفعل قائمة . فقد علمتنا تجارب الأمم أن الأرض قد تفقد ثم تستعاد ، وأن القوة قد تتعثر ثم تنهض ؛ أما الإرادة التي تأبى الانكسار ، فهي أول الطريق إلى استعادة ما فقد واستكمال ما لم يكتمل . وفي الشدائد لا تصنع المحن نهاية الرجال ، بل تكشف معدنهم ؛ وسيبقى الشعب اليمني العربي الأبي أكبر من أن تختزل إرادته جماعة إرهابية مسلحة ، أو أن يرتهن قراره ومستقبله لإرادة آتية من طهران خارج حدوده ، وبالثبات تكتب صفحات المجد .

