كُتاب الرأي
(حماية القلب)

(حماية القلب)
………………….
القلب أكثر أجزاء الإنسان قابلية للتأثر ، فإنه يتعلّم مع مرور الأيام كيف يحمي نفسه من قسوة الحياة ومن تقلبات البشر ومن تلك الخيبات التي تأتي أحياناً من الجهات التي يضنها أكثر أماناً.
ليس القلب قطعةً من اللحم تنبض في صدر الإنسان فحسب ، بل هو عالمٌ كامل ، تختبئ في زواياه القصص ، وتسكن في أعماقه الذكريات ، وتتزاحم على أبوابه مشاعر الحب والخوف والخذلان والأمل.
لقلب المؤمن ملاذٌ مهم يحميه من التشتت ، هو (اللجوء إلى الله)
إمتلاء القلب بالإيمان بالله يمنحه الهداية والتقوى قال تعالى:﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (سورة التغابن 11).
جوهر حماية القلب أن يكون خالياً من الشك والشرك والصفات المذمومة ، قال تعالى:﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشعراء 89).
في الدعاء سكينة وفي الذكر طمأنينة وفي الرضا بحكمة الله متّسعٌ للأمل حين تضيق الأسباب على القلب ، قال تعالى:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد 28).
كما أن التسبيح والصبر والسجود يحمي القلب من أذى كلام الآخرين ، قال تعالى:﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ (سورة الحجر97-98).
أعظم ما يحمي القلب أن يحتفظ (بنقائه) دون أن يسمح للآخرين باستغلاله ؛ أن يظل كريماً دون إسرافٍ في العطاء ، محبّاً دون ذوبانٍ في الآخرين ، متسامحاً دون أن يتنازل عن كرامته ، وقادراً على منح الفرص دون أن يكرر الخطأ ذاته إلى ما لا نهاية.
القلب الناضج لا ينتقم من العالم لأنه تألّم ولا يعاقب الأبرياء على أخطاء السابقين ، بل يتعلّم من ماضيه دون أن يسمح للماضي بأن يكتب جميع فصول مستقبله.
يحمي القلب نفسه من الانكسار دون أن يفقد شعوره بالحب من خلال (الوعي) حين يدرك الإنسان أن ليس كل اقترابٍ محبة ولا كل اهتمامٍ صدقاً ولا كل ابتسامةٍ تحمل في طياتها نوايا طيبة ، هذا هو النضج العاطفي قراءة الأفعال قبل تصديق الأقوال ، منح الآخرين مساحاتٍ من الثقة تتسع بقدر ما تثبته المواقف ، لا بقدر ما توحي به الكلمات ، القلب الواعي لا يُغلق أبوابه في وجه الحياة لكنه لا يتركها مفتوحةً لكل عابر.
يحمي القلب نفسه أيضاً بوضع (الحدود) تلك المسافات النفسية التي تحفظ للإنسان كرامته واتزانه ، من غير الضروري أن نبرر كل رفض أو نستجيب لكل طلب أو نحتمل كل إساءة بحجة المحبة أو صلة القرابة أو العِشرة الطويلة ، إن قول «لا» في الوقت المناسب ليس قسوة والابتعاد عن علاقةٍ تستنزف الروح ليس جحوداً ، بل هو اعترافٌ صادق بأن للنفس حقّاً في الراحة ، وللكرامة حقًّا في الصيانة ، وللقلب حقًّا في ألّا يظل ساحةً مفتوحةً للأذى.
كما يحمي القلب نفسه من خلال (الاستقلالية) لا يجعل سعادته رهينةً بيد الآخرين بمنحه قيمته ولا يعلّق سلامه الداخلي على رسالةٍ تأخرت أو اهتمامٍ انقطع أو اعتذارٍ لم يأتِ ، حين يتعلّم الإنسان أن يستمد جزءً من سعادته من ذاته ومن إيمانه ومن الأشياء الصغيرة التي تمنح أيامه معنى ، يصبح أكثر قدرةً على مواجهة التغيّر دون أن ينهار ، وعلى تقبّل الرحيل دون أن يفقد نفسه في دروب الانتظار.
يحمي القلب نفسه إذا تعلم فنَّ (التغافل) ليس بمعنى تجاهل الإهانة المتكررة أو التساهل مع الأذى وإنما بمعنى ألّا يمنح كل كلمةٍ عابرة حقَّ الإقامة في روحه ، وألّا يحوّل كل موقفٍ صغير إلى معركةٍ تستنزف سلامه ، فبعض الأمور لا تستحق الرد وبعض الأشخاص لا يستحقون التفسير وبعض المواقف يكفي أن نفهم رسالتها ثم نمضي ، ليس كل صمتٍ ضعفاً ؛ قد يكون الصمت حكمةً حين يصبح الكلام استنزافاً ، و الانسحاب انتصاراً حين تكون المواجهة باباً آخر للخسارة.
يحتاج القلب كي يحمي نفسه إلى (التصالح) مع فكرة الفقد ؛ فليس كل من أحببناهم سيبقون وليس كل ما تمنيناه سيحدث وليس كل طريقٍ بدأناه سينتهي حيث أردنا ، وحين يفهم القلب أن الرحيل لا ينتقص من قيمته ، وأن الخذلان لا يعني أنه كان ساذجاً لمجرد أنه صدّق وأن التجربة المؤلمة لا تُلغي جمال التجارب القادمة ، بالتصالح يصبح القلب أكثر اتزاناً وأقل خوفاً من الحياة.
إن الحياة لا تمنحنا ضماناتٍ دائمة لكنها تمنحنا القدرة على التعلّم والنهوض وإعادة اكتشاف ذواتنا.
نحنُ لا نطلب من القلب الذي يحمي نفسه بأن يتحوّل إلى حجر ويلغي الحب ، بل أن يتعلّم كيف يكون قلباً واعياً يحسن الاختيار ؛ ولا يهرب من البشر ، بل يعرف من يستحق الاقتراب ؛ ولا ينكر الألم بل كيف يفهمه ويتعافى منه.
فليكن قلبك رقيقاً بما يكفي ليحب وعاقلاً ليميّز ، وقويّاً ليبتعد حين يصبح البقاء مؤذياً ، لا تسمح لقسوة التجارب أن تسرق منك إنسانيتك ولا لطيبتك أن تكون باباً مفتوحاً لاستنزافك.
القلب الذي يعرف قدر نفسه لا يطارد من أهمله ولا يتسوّل المحبة ولا يساوم على كرامته كي يبقى أحدهم بقربه بل يمنح بصدق ويختار بوعي ويرحل بسلام حين يصبح الرحيل ضرورة.
حماية القلب ليست أن نمنع عنه كل جرح ، فهذا مستحيل وإنما أن نمنحه من الحكمة ما يساعده على التعافي ومن الإيمان ما يعينه على الثبات ومن حب الذات ما يجعله يعود إلى الحياة كلما ظنّ أن الحكاية قد انتهت.
يحمي القلبُ نفسَه بجيشٍ من الصمتِ ودرعٍ من النسيان وسلاحٍ من الحكمةِ المستمدةِ من الجراح ، فالقلب الجميل ليس الذي لم ينكسر يوماً ، بل الذي تعلّم من انكساراته كيف يحبّ دون أن يفقد نفسه..
……………
الكاتبة:أحلام أحمد بكري



