كُتاب الرأي

(الفضولي المُتطفّل)

(الفضولي المُتطفّل)
………………………
الفضول حين يتجاوز حدوده يتحوّل إلى سلاح فتّاك ، لا يقتل الجسد ، بل يقتل (الثقة ، الأمان) ويقتل ذلك الشعور الجميل بأن للإنسان ركناً بعيداً عن أعين الناس..
آية قرآنية بها نهي وتأديب ، يؤدب الله المؤمنين وينهاهم عن السؤال والتنقيب عن أمور لا فائدة من معرفتها ، لأن معرفتها قد تجلب الهم والحزن والمشقّة والحرج لمن سأل ، إنها آية قرأنية واضحة وضوح الشمس في كبد السماء قال تعالى في سورة المائدة (الآية 101): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾..
كُلنا نحتاج لمن يسأل عنّا ويهتم بنا وهذا ديدن المجتمعات الإنسانية التي تنتشر فيها المودة والمحبة ، هنا يجب أن نعي أن هناك حدّ فاصل وخط رفيع بين الاهتمام والتطفّل ، المهتم يسأل لأنه يريد الخير ، والمُتطفّل يسأل لأنه يريد المعرفة لذاتها ، أو للتفاخر بها ، أو لإشباع رغبة دفينة في التحكّم بالأمور وبمن حوله..
الإنسان الفضولي يبرز بين الحين والآخر في زحام الحياة وضجيجها ، كغيمة سوداء كئيبة ، يقف عند كل تفصيل ، ويسأل عن كل خبر ويتتبّع كل حركة ، ذلك الكائن الذي جُبل على حبّ المعرفة ، لكنه انزلق من علو الحكمة إلى دركات التطفّل ، فصار همه أن يعرف ما لا يعنيه ، وأن يقحِم نفسه فيما لا يخصُّه ، فيصبح على فضوله وتطفله شخص مُستفز ، مكروه لا يُطاق..
الإنسان الفضولي نوعان في المجتمع الإنساني: نوع يسأل ليَعلَم ويتعلم ويفيد نفسه و يُثري معرفته دون أن يمسّ أحداً ، هذا الإنسان يكون الفضول في أعماقه -غريزة نبيلة- مثل الوقود الذي دفع الإنسان الأول إلى اكتشاف العالم الخارجي من حوله الأرض بمائها وترابها وشجرها ونارها ، ودفع العلماء إلى دراسة الكون بحثاً عن أسراره ، وهو الفضول الذي جعلنا نرتقي في سُلم العلم والمعرفة لبناء الحضارات..
يقول أحد الفلاسفة (الفضول كالنار ، إن أحسنت استخدامها أنارت طريقك ، وإن أطلقتها سائبة أحرقت ما حولك) ، هنا نصل للنوع الثاني من الفضول وهو نوع يسأل ليَتدخّل في شؤون الآخرين يُشبع فضوله على حساب خصوصية الآخرين ، يصبح ثقلاً على القلوب وعبئاً على العلاقات وسبباً في تهشّم البيوت من الداخل..
كم من صداقة انقطعت لأن فضولياً حشر أنفهُ في مالا يعنيه..؟! ، وكم من علاقات أُسريّة تصدّعتْ لأن صديقاً أو جاراً أو قريباً أدخل أنفه في شؤون لم تُكن تعنيه أصلاً..؟! ، وكم من مشروع فشل لأن عيناً فضولية سرقت فكرة قبل أن تنضج.؟!
الإنسان الفضولي في أعماقه مسكين، يبحث خارج نفسه عمّا ينقصه في داخلها ، يظنّ أن معرفة أخبار الآخرين ستشعره بالرضا ، فيكتشف أنها زادتْ من قلقه ، ويظنّ أن إمساكه بأسرار الناس سيمنحه قوة فيكتشف أنها منحته عداوات كثيرة ، وقديماً قالوا: “من تتبّع ما لا يعنيه ، سمع ما لا يرضيه” الفضولي لا يسمع إلا ما يكدّر صفوه ولا يرى إلا ما يؤجّج قلقه..
أما الإنسان المتوازن يمتلك حكمة اجتماعية تعلّمه أن يقف عند الحدود ، يوازن بين حبّ المعرفة واحترام الخصوصية ، فلا يقتفي أثر أحد ، ولا يسأل عن سرّ ، ولا يفتّش في خبايا لا تعنيه ، ويتقِن فنّ الإعراض عن التفاصيل التي لا تخصّه ، من الأكيد أن هذا الإنسان المتوازن سينال راحة البال وسلامة القلب و وقار النفس..
العالم يحتاج إلى فضول المكتشفين ، لكنه لا يحتاج إلى فضول المتطفّلين..
………………

الكاتبة:أحلام أحمد بكري

‫

أحلام أحمد بكري

أديبة سعودية وكاتبة رأي وقاصة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.