*﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ .*

*﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ .*
*رؤية تحليلية عسكرية .*
*سعت ( 1800 ) من يوم الاثنين الموافق ( 5 ) أكتوبر( 2026 )م .*
*كتبه؛**اللواء البحري الركن المتقاعد/**عبدالله بن سعيد الغامدي* *دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .*
*( النصر في رحى المعارك لا يولد في لحظة واحدة ؛ بل تبدأ بشائره عندما تنتزع المبادأة من الخصم ، وتنكسر موجة هجومه ، وتستعاد الأرض ، ويتحول المقاتل من صد العدو إلى مطاردته واستثمار النجاح . )*
*ما يرد من ميادين القتال اليمنية يحمل اليوم مؤشرات عسكرية تبعث على التفاؤل ، وتستحق أن تقرأ بعين تستشرف النصر دون أن تسبق الميدان . فمع انطلاق عملية فجر اليمن ، واتساع العمليات البرية والجوية ، وتزايد الضغط على مواقع عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ، بدأت حركة القوات في عدد من المحاور ترسم صورة مختلفة عما كانت عليه قبل أسابيع .*
*وبشائر النصر اليوم ليست أمنيات تسبق الميدان ؛ بل مؤشرات بدأت تكتبها حركة القوات على الأرض .*
*أولى هذه البشائر استعادة المبادأة . فالخصم الذي يهاجم يفرض مكان القتال وتوقيته ، أما عندما يجبر على الدفاع عن مواقعه وتحريك احتياطاته وحماية خطوط إمداده ، فإنه يبدأ بفقدان حرية الفعل . وعندما تنتقل القوات من صد الهجوم إلى الهجوم المضاد ثم مطاردة القوة المتراجعة ، تكون معادلة القتال قد بدأت تتغير .*
*وثانيها اتساع جغرافية الضغط . فعندما تتعرض عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة للضغط في أكثر من محور ، تواجه معضلة توزيع القوة والاحتياط والنيران والإمداد . وكل قوة تدفع إلى جبهة تسحب من أخرى ، وكل طريق إمداد يهدد يضيف عبئا جديدا على القيادة والسيطرة والمناورة .*
*وثالثها تكامل الجهد البري والجوي والاستخباري . فالضربات الجوية عندما تتكامل مع حركة القوات على الأرض ، وتستهدف القيادة والسيطرة ومصادر النيران ومخازن الذخيرة ووسائل الإمداد وقدرات الصواريخ والطائرات المسيرة ، لا تدمر أهدافا منفردة فحسب ؛ بل تعمل على إضعاف المنظومة القتالية للخصم وتقليص قدرته على استعادة قوته القتالية .*
*ورابعها الأرض الحاكمة وطرق الإمداد . فالتقدم في الساحل الغربي ومحيط باب المندب وذو باب لا يقاس بعدد الكيلومترات وحدها ؛ لأن قيمة الأرض في العمليات تحدد بما تمنحه من سيطرة ومراقبة وقدرة على التأثير في الحركة والإمداد . وحين يفقد الخصم الأرض الحاكمة ، فقد يخسر معها حرية المناورة قبل أن يخسر مساحات أوسع .*
*أما البشارة الخامسة ، وربما كانت أعظمها أثرا ، فهي عودة الثقة إلى المقاتل اليمني . فالمقاتل الذي يرى الأرض تستعاد أمامه ، ويرى أن عناصر عصابة الحوثي التي كانت تتقدم بالأمس يمكن تثبيتها وإجبارها على التراجع اليوم ، لا يستعيد موقعا فقط ؛ بل يستعيد ثقته بإمكان النصر . وفي الحروب الطويلة تصبح المعنويات قوة قتالية قائمة بذاتها ، وقد يكون انكسار صورة الخصم في النفوس مقدمة لانكساره في الميدان .*
*وهنا تظهر قيمة ما تحدثنا عنه مرارا من زخم الهجوم واستثمار النجاح . فالنجاح يولد نجاحا عندما يستثمر بسرعة وانضباط . واستعادة الموقع يعقبها تأمينه ، وكسر الهجوم يعقبه منع الخصم من استعادة زمام المبادأة ، والتقدم تحميه القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والاستطلاع والإنذار المبكر والاحتياط وخطوط الإمداد .*
*وفي المقابل ، كلما اضطرت عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة إلى تعويض خسائرها وتحريك احتياطاتها وإعادة توزيع عناصرها وحماية طرق إمدادها والتعامل مع جبهات متعددة ، تقل قدرتها على تركيز القوة في اتجاه واحد ، ويزداد الضغط على منظومتها القتالية ، ويصبح الحفاظ على ما تحت يدها أكثر صعوبة من محاولة التوسع خارجه .*
*وللنصر حافز آخر لا يقل أهمية : وضوح الغاية . فالعمليات الجارية لا تقرأ باعتبارها معركة على جبل أو طريق أو مدينة منفردة ، وإنما في إطار غاية أكبر تتمثل في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب . وحين تتسق الغاية مع الجهد العسكري ، يصبح لكل موقع يستعاد أثر يتجاوز حدوده الجغرافية .*
*لا تستعجلوا إعلان تمام النصر ؛ ولكن لا تبخسوا نصرا بدأت بشائره تكتب في رحى الميدان .*
*فالفرق كبير بين تفاؤل تصنعه الأمنيات ، وتفاؤل تسنده حركة القوات على الأرض . وعندما تجتمع المبادأة واتساع محاور الضغط والإسناد الجوي واستهداف قدرات الخصم واستعادة الأرض وارتفاع معنويات المقاتلين ، فإنها تشكل أسبابا عسكرية حقيقية للتفاؤل بما يمكن أن يأتي بعدها .*
*ويبقى أمن العمليات سياجا لهذا النجاح . فكلما اشتد الضغط على الحوثيين ، ازدادت الحاجة إلى حماية الخطط والتحركات والمعلومات والاتصالات ، ومنع التصوير غير المنضبط ، والحذر من الدعاية السوداء والرمادية والإشاعات والمقاطع المزيفة التي قد تستخدم للتأثير في المعنويات وتشويش صورة الميدان .*
*وفي فلسفة الحرب تتكرر حكمة واحدة بألف صيغة : الفرصة إذا حضرت وجب استثمارها ، والمبادأة إذا انتزعت وجب الاحتفاظ بها ، والنصر إذا بدأ وجب تثبيته ؛ لأن أخطر ما يمكن أن يقدم للخصم المتراجع هو الوقت الذي يحتاجه ليستعيد أنفاسه وإرادته وقدرته على القتال .*
*فالنصر الأكبر ليس أن تتراجع عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة بضعة كيلومترات ؛ بل أن تفقد القدرة على فرض إرادتها بالقوة ، وأن تتآكل قدرتها على القيادة والإمداد والمناورة والاحتفاظ بالاحتياط ، حتى تصبح استعادة الأرض نتيجة طبيعية لتراجع قدرتها القتالية .*
*إنها بشائر لا تدعو إلى الغرور ، وإنما إلى الثبات ؛ ولا تدعو إلى استعجال إعلان النصر ، وإنما إلى الإيمان بإمكان اكتماله . فالمحافظة على المبادأة واستمرار زخم العمليات وتثبيت ما تحقق هي التي تحول النجاح الميداني إلى واقع يصعب على الخصم قلبه .*
*الدعس ثم الدعس للعدوان وأهله ؛ حتى تنكسر شوكة البغي ، وتسقط قدرة المعتدي على مواصلة عدوانه ، وتصبح المبادأة المستعادة منطلقا لاستثمار النجاح حتى بلوغ الغاية .*
*﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾* .
*( سورة الأنفال ـ الآية الكريمة رقم ( 10 ) )* .
*﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾* .
*( سورة القمر ـ الآيتان الكريمتان رقم ( 45 ـ 46 ) )* .
كاتب رأي
