حين يستبيح الحوثة دماء الأبرياء ..

حين يستبيح الحوثة دماء الأبرياء ..
فإن للبغي حسابا لا يسقط .
رؤية تحليلية عسكرية .
الأحد الموافق ( 11 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( من يستسهل سفك دماء الأبرياء ، ويحسب ضبط النفس ضعفا ، إنما يفتح على نفسه أبوابا من العواقب التي قد يعجز عن إغلاقها . )
لم تعد جرائم عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة تحتمل التوصيفات المخففة ؛ فقد تجاوزت اعتداءاتها على المدنيين والمنشآت الحيوية حدود اليمن ، وامتدت إلى تهديد أمن المملكة والملاحة الدولية ، في نهج عدواني يكشف استهانتها بالأرواح البريئة وسيادة الدول .
وفي ضوء الأنباء المتعلقة بالاعتداء على مطار الملك خالد الدولي بالرياض ، تتجلى خطورة استهداف المنشآت المدنية وما يترتب عليه من خسائر بشرية ومعاناة إنسانية وأضرار اقتصادية . فالمطارات المدنية ليست ساحات قتال ، والمسافرون والعاملون فيها ليسوا أهدافا عسكرية ، واستهدافهم المتعمد انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني .
إن دماء الأبرياء ليست أرقاما في بيانات الحروب ، بل أرواحا مصونة ، وأسرا مفجوعة ، وحقوقا لا تسقط بتقادم الزمن أو تبدل الظروف .
أما وقد بلغ البغي هذا المبلغ ، فإن للعدوان عواقب ، وللجرائم حسابا ، ولدماء الأبرياء حرمة لا يملك المعتدي انتهاكها ثم الإفلات من تبعاتها .
ولقد عرفت العرب في موروثها من عبارات الحزم والوعيد قول القائل « ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل » ؛ وفي ميزان الاستراتيجية العسكرية ، فإن من أخطر أخطاء المعتدي أن يسيء تقدير قوة الدولة التي يستهدفها ، فيحسب ضبط النفس ضعفا ، والحكمة ترددا ، والصبر عجزا ، حتى يجد نفسه أمام نتائج عسكرية وسياسية لم يحسن حسابها .
أما النظام الإيراني التخريبي ، فإن دعمه العسكري والسياسي للحوثيين أسهم في تعزيز قدراتهم الصاروخية وقدرات الطائرات المسيرة ، وإطالة أمد الصراع اليمني وتهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية . وقد امتدت آثار تدخلاته إلى العراق ولبنان وسوريا ، بينما تحمل الشعب اليمني أعباء جسيمة من القتل والتهجير والاعتقال وتدمير مؤسسات الدولة .
وعسكريا ، فإن إطلاق الصواريخ لا يعني امتلاك المبادأة ، واستهداف المدنيين لا يمثل نصرا عسكريا ؛ فموازين الحرب تقاس بالقدرة على تحقيق الأهداف المشروعة ، والمحافظة على مراكز الثقل ، واستدامة القدرة القتالية ، وحماية السكان والمنشآت الحيوية .
إن الردع لا يقاس بقوة الرد وحدها ، بل بقدرته على تفكيك القدرات العسكرية التي تمكن المعتدي من تكرار عدوانه ، وإعادة فرض معادلة أمنية يدرك معها الخصم أن كلفة العدوان تفوق كل مكسب يتوهم تحقيقه . فالردع الناجح ليس مجرد إيقاع الخسائر بالمعتدي ، بل إفقاده القدرة والإرادة على تكرار عدوانه ، وإجباره على إعادة حساباته أمام ميزان قوة لا يخدم مغامراته .
إن أخطر ما قد تواجهه عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ليس ما قد تخسره من مواقع وقدرات فحسب ، بل انهيار حساباتها الاستراتيجية حين تكتشف أن توسيع عدوانها لم يخفف عنها الضغوط العسكرية ، وإنما ضاعف كلفة مغامراتها ، وعمق عزلتها ، وقرب نهاية مشروعها التخريبي .
وتبقى سيادة المملكة وأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها وسلامة منشآتها المدنية حقوقا أصيلة لا تقبل المساومة . وقد كفل ميثاق الأمم المتحدة في المادة ( 51 ) حق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح ، وفقا لأحكام القانون الدولي .
ولا سيادة الأوطان غنيمة لعصابة ، ولا أمن المملكة ميدانا لمغامرات الحوثة وأسيادهم في طهران ، ولا استهداف المدنيين طريقا إلى نصر أو مكسب سياسي .
ومن يستقوي بإيران على أبناء وطنه وجيرانه قد يكتشف أن القوة التي احتمى بها أصبحت عبئا على بقائه ومستقبل مشروعه .
إن الغاية الاستراتيجية لا تقتصر على صد الاعتداء ، بل تتجاوز ذلك إلى ضمان عدم تكراره ، واستعادة الدولة اليمنية سيادتها ومؤسساتها الشرعية ، حتى ينعم الشعب اليمني بالأمن والسلام ، وتستقر المنطقة بعيدا عن مشاريع الهيمنة والتخريب .
رحم الله ضحايا الاعتداء ، وشفى المصابين ، وحفظ المملكة العربية السعودية وأهلها وكل من يقيم على أرضها من كل سوء .
قال الله تعالى :
﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾
سورة فاطر ـ الآية الكريمة رقم ( 43 ) .

