امرأةٌ لا تُنسى

امرأةٌ لا تُنسى
ارحل
فقد أضناني المقام على أطلال عهد خذلتْه يد الوفاء
وما عاد في قنديلِ روحي
سوى فتيلٍ يُكابدُ الريح
في جوفِ الدجى
أحببتُكَ حبًّا لو قُسِّمَ
على أفئدةِ الخلقِ لأثملَها
ولو أُودِعَ في صخرٍ لأورقَ
فيه اليقين
نصبتُكَ في محرابِ قلبي
وأسبغت عليك من قداسة
الوجد ما لا يستحقه بشر
حتى غدوتَ عندي قضاء لا يرد
وقدرا لا يستعتب
فيا لخيبةِ قلبٍ اتّخذَكَ وطن
فإذا بكَ منفى
واستودعكَ سرَّه
فإذا بكَ أوّلُ من أفشاه
وأوقدَ لكَ في ليلِه ألفَ سراج
فإذا بكَ أوّلُ من أطفأه
لا تحسبنَّ عتابي انكسار
فإنّ السيفَ لا يصدأُ من جرحه والأسدَ لا يستجدي فريستَه
إذا أعرضت
أنا امرأةٌ إذا أحبّتْ رفعت
حبيبَها فوقَ العلا
وإذا أفاقتْ من سُكرِ الهوى
ردّتْهُ إلى ترابِه
ومضتْ لا تلتفت
ولقد هممتُ أن أنتزعَك
من أضلعي انتزاعَ الشوك
من الصوف
فإذا بي أستأصلُ اللحم
وتبقى أنت
كأنّكَ جرحٌ اتّخذَ من دمي مُقام ومن أوجاعي نسب
ومن أنيني صلاة
فاذهب
ولا تَعُدْ بنصفِ ندمٍ ونصفِ حنين فما كلُّ بابٍ إذا أُوصدَ يُستفتح
ولا كلُّ قلبٍ إذا أُوذي يُؤمِن
إن عدت
فعُدْ كما يهبطُ الغيثُ على أرضٍ أقحلتْها السنون
لا كما تعودُ الريحُ إلى دارٍ هدمتْ أركانَها
أمّا أنا
فسأحملُ جرحَكَ في صمتِ الملوك
وأدفنُ ذكراكَ في صدرٍ لا تُنبشُ أسرارُه
فإن سألوا عنك
قلت
مرَّ عابرا
فأزهرَ الربيعُ في دمي
ثم خلّفَ وراءهُ خريفًا لا يرحم
ولكن
إيّاكَ أن تظنَّ أنّ الرحيلَ يمحو الأثر
فبعضُ النساءِ لا يمررنَ في العمرِ مرورَ الكرام
بل ينقشنَ أسماءَهنَّ في صخرِ الذاكرة
ويتركنَ في الروحِ ندبة
تعجزُ القرونُ عن مَحْوِها
ارحلْ إذن
فقد عرفتُ الآن أنّ الكرامة
تاجٌ لا يليقُ برأسٍ ينحني
وأنّ القلبَ وإن نزف
لا ينبغي له أن يستجديَ قاتلَهُ الرحمة
ولئن نسيتَني
فحسبُكَ أنّكَ أحببتَ امرأةً لن يُجيدَ الزمانُ تكرارَها
ولن يُسعفَكَ العمرُ إذا أدركتَ متأخّرًا أنّكَ أضعتَ
عمرًا كاملًا في لحظةِ غرور
بقلم سمية عمر عكاشة
الجزائر
