ذكرى اكتوبر

ذكرى اكتوبر
وفي ليلةٍ من ليالي تشرين
وقد أرخى الليلُ سدوله على الأرض
خلوتُ إلى وحدتي
فما كان بيننا يومئذٍ إلا وجعٌ قديمٌ نقتسمه
وأثرُ ماضٍ انقضى
غير أنّه أبى أن ينقضي منّا
رفعتُ بصري إلى السماء
كأنّي ألتمس في أعاليها ما ضلّ عنّي في الأرض
كأنّي أفتّش بين النجوم عن عينين انطفأتا
وعن وجهٍ كان للجمال فيه مقام ثم ناله ما تنالُ الديارُ إذا عبثت بها السنون
فلا يبقى منها إلا رسمٌ يردّه البصر ولا تبلغه اليد
وظللتُ ساكتة
أعزف من الصمت على وترٍ لا يُسمع
غير أنّ القلب كان يسمعه
ولم يكن يطرق سمعي من الدنيا إلا نَفَسُ الذكرى
تلك التي لا تأتي دفعةً واحدة
بل تدبّ إلى الروح دبيبَ الداءِ في العظم
حتى إذا استحكمت
عرفتَ أنّك كنتَ مأخوذًا بها منذ أول الطريق
وكانت الأرواح قد أوت إلى مضاجعها
وغشيها من السُّهاد السابق نومٌ عميق
كأنّها عذارى لم تعرف بعدُ ما يخبّئه الطريق من غدرٍ وانقلاب وأطبق الليل عليها من كل ناحية ليحرسها و ليستر عنها
وجه الحقيقة
ويترك كلَّ ذات مع ما كتمه النهار
وحدي بقيتُ خارج ذلك السكون
أفتّش عنك في وجوه النائمين لعلّ ملامحَ عابرةً تردّ إليّ ما أخذته الأيام
وألتمس أثرك في أعين الحيارى أولئك الذين طال وقوفهم على مفترقٍ لا يدلّ إلى شيء
غير أنّي لم أجد إلا طيفا مواربا حسبته أول الأمر غريبا
ثم عرفتُه فقد كان من الوهم
ما ألفه القلب حتى صار الوهم عنده أصدق من اليقين
كان السراب خيالك
وكانت تلك الليلة يتيمة
على نحوٍ لا تُفسّره الوحشة وحدها
كأن شيئا خفيا كان يهيّئ للقلوب خاتمتها
ويدني منها ما طال فرارها منه لم يكن الموت يومئذ بابا يطرق بل كان معنى يتسرب في كياني
وفي خفوت النجوم
وفي انحناء الليل
وفي ذلك الفراغ الذي تركته خلفك حتى بدا كأنّ شيئا من روحي قد نُزع من موضعه
وعرفتُ وأنا أحدّق في السماء
أنّ بعض النهايات لا تأتي حين يقع الفقد
بل حين يعجز القلب عن اختراع رجعةٍ له
فبقيتُ أنظر إليك إذ لم تعد هناك
و إلى الموضع الذي كان ينبغي أن تكون فيه
وكأنّي أرجو من الغياب أن يخطئ مرّةً واحدة
وأن يردّ إليّ ما استودعته الأيامُ في جوفها
قبل أن يُغلق الليلُ آخر أبوابه
بقلم سمية عمر عكاشة
الجزائر



