كُتاب الرأينحن طويق

الانتصار كان خالدًا

الانتصار كان خالدًا

بقلم د. عبدالرحمن الوعلان

ليست كل الانتصارات معارك تُحسم في الميدان، ولا كل النجاحات اتفاقات تُعلن في ختام الاجتماعات؛ فبعض الانتصارات يبدأ حين تبرز شخصية قادرة على إدارة اللحظة، وتقرأ تعقيدات المشهد، وتعرف كيف تحوّل التحديات إلى فرص، وكيف تجمع بين قوة الموقف ومرونة التفاوض. ومن هنا، فإن زيارة الأمير خالد بن سلمان إلى طهران تفتح أمامنا سؤالًا يتجاوز نتائج اللقاء: ماذا كشفت هذه الزيارة عن الرجل الذي حمل مسؤولية تمثيل المملكة في هذا الظرف الإقليمي الدقيق؟
في تقديري، أن الانتصار الأهم الذي أراه في هذه الزيارة هو بزوغ نجم سياسي ودبلوماسي سعودي، تتشكل ملامح تجربته أمام ملفات شديدة التعقيد، ويستحق أن نقرأ حضوره بعيدًا عن الاكتفاء بما تسفر عنه الاجتماعات من نتائج آنية.
فالزيارة، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية السعودية في 26 أكتوبر 2026، جاءت في إطار جهود خفض التصعيد، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة، وفتح قنوات تفاوض تمنع عودة المواجهة العسكرية.
وهذه أهداف تتطلب أكثر من حضور رسمي؛ إنها تستدعي قدرة على فهم موازين القوى، وإدراك المصالح المتعارضة، والتعامل مع الملفات الأمنية والسياسية بعقلية تعرف أن حماية الوطن لا تكون دائمًا بصوت مرتفع، بل قد تكون أحيانًا في تفاوض محسوب، وموقف واضح، ورسالة تصل في توقيتها الصحيح.
إن مدرسة آل سعود في السياسة والدبلوماسية ليست وليدة اليوم؛ فقد عرفت المملكة أسماء تركت بصماتها في تاريخ علاقاتها الدولية، وفي مقدمتها الأمير سعود الفيصل، الذي ارتبط اسمه بعقود من العمل الدبلوماسي والخبرة في إدارة الملفات الخارجية، والأمير بندر بن سلطان، الذي خاض تجارب واسعة في العلاقات الدولية والتعامل مع مراكز القرار. كان لكل منهما أسلوبه وأدواته، لكنهما ينتميان إلى تجربة سعودية جعلت من الدبلوماسية إحدى وسائل حماية المصالح الوطنية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.
واليوم، تتشكل مرحلة جديدة في ظل قيادة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي ارتبط اسمه بقيادة التحولات الاستراتيجية ورؤية السعودية 2030، وبإعادة صياغة كثير من مسارات التنمية والإدارة الحكومية، وتعزيز حضور المملكة في الملفات الإقليمية والدولية. والقيادة هنا لا تُقرأ في القرارات الكبرى وحدها، بل في بناء منظومة عمل تتعدد فيها المسؤوليات، وتتداخل فيها الملفات، وتُمنح فيها الكفاءات فرصًا لتحمل أعباء وطنية تتطلب الحزم والرؤية والقدرة على الإنجاز.
وفي هذا السياق، يبرز الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، بوصفه أحد الوجوه السعودية التي تتقدم إلى واجهة الملفات الحساسة، مستندًا إلى خبرته في العلاقات الدولية، وتجربته سفيرًا للمملكة لدى الولايات المتحدة، ومسؤوليته الحالية عن أحد أهم الملفات المرتبطة بالأمن الوطني. ولا يمكن فصل العمل الدفاعي عن العمل الدبلوماسي؛ فالدفاع في الدولة الحديثة ليس سلاحًا فحسب، بل معرفة بالتحالفات، وفهم لموازين القوى، واستعداد لحماية المصالح، وقدرة على إدراك اللحظة التي يصبح فيها التفاوض ضرورة استراتيجية.
وهنا تتضح أهمية تكامل الأدوار في القيادة السعودية المعاصرة: الأمير محمد بن سلمان يقود مرحلة التحول الوطني والاستراتيجي، فيما يضطلع الأمير خالد بن سلمان بمسؤوليات دفاعية ودبلوماسية تضعه في قلب ملفات الأمن الإقليمي. ولا يعني هذا أن التجربتين متماثلتان، بل إن لكل موقع مسؤولياته، ولكل شخصية أدواتها، غير أن نجاح العمل الوطني يتطلب أن تتكامل هذه الأدوار ضمن رؤية أوسع لمصالح المملكة ومستقبلها.
إن القيادي لا يُقاس بعدد الملفات التي يحملها فقط، بل بقدرته على فهمها، وإدارة تعقيداتها، والعمل مع الآخرين للوصول إلى نتائج تخدم الدولة. ومن هذا المنظور، فإن تجربة خالد بن سلمان تستحق المتابعة؛ لأنها تتحرك في مساحة تتقاطع فيها المسؤولية العسكرية مع التفاوض السياسي، وتتطلب الجمع بين الردع الذي يحمي أمن المملكة، والدبلوماسية التي تمنح الاستقرار فرصة للتحقق.
أما الاعتداءات التي تنفذها جماعة الحوثي، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها شأنًا منفصلًا عن المشهد الإقليمي، ولا الجزم بأن مسارًا دبلوماسيًا واحدًا كفيل بإنهائها. فاستمرارها أو توقفها يرتبط بعوامل ميدانية وسياسية وأمنية متشابكة. لكن المؤكد أن حماية أمن المملكة تظل أولوية، وأن أي جهود تفاوضية لا بد أن تُقاس بقدرتها على الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، ومن التعهدات إلى ضمانات ملموسة تحفظ أمن البلاد واستقرارها.
ولعل هذا ما يجعل الزيارة جديرة بالقراءة من زاوية أوسع من نتائجها المباشرة. فحين يتولى وزير الدفاع قيادة وفد سعودي في محادثات مع مسؤولين إيرانيين، ضمن جهود إقليمية لخفض التصعيد، فإن المشهد يكشف عن تداخل أدوات السياسة والأمن، وعن أهمية وجود مسؤول يستطيع التعامل مع لغة الدفاع ومتطلبات الحوار في آن واحد. لكن الحكم على نجاح التجربة سيظل مرتبطًا بما ستثمر عنه هذه الجهود من نتائج عملية، لا بمجرد انعقاد اللقاء أو ما يرافقه من انطباعات.
فأين كان الانتصار؟
أراه في بروز ملامح تجربة دبلوماسية سعودية جديدة، وفي اتساع المساحة التي يظهر فيها خالد بن سلمان بوصفه رجلًا يتحمل مسؤولية ملفات دقيقة، ويواجه اختبارات تتيح للمتابع أن يقرأ قدرته على إدارة المواقف والتعامل مع الأزمات. إنه انتصار بمعنى اكتشاف ملامح التجربة ونضجها أمام اختبار حقيقي، لا إعلان انتصار سياسي مكتمل قبل أن تتضح النتائج.
وإذا كان الأمير سعود الفيصل والأمير بندر بن سلطان يمثلان نماذج بارزة من جيل سابق في الدبلوماسية السعودية، فإن السؤال الذي تطرحه المرحلة الراهنة هو: كيف ستتشكل ملامح الجيل الجديد؟ وكيف ستنعكس قيادية الأمير محمد بن سلمان، بما تتضمنه من تحولات استراتيجية وإدارية، على قدرة القيادات السعودية على إدارة الملفات المتخصصة ومواجهة تحديات المستقبل؟
لا تصنع الأسماء وحدها مدرسة سياسية، بل تصنعها التجارب المتراكمة، والقرارات، والقدرة على التعلم من الأزمات، وتحويل المسؤولية إلى أثر. ومن هنا، فإن قيمة خالد بن سلمان لا تكمن في مقارنته الحرفية بمن سبقوه، بل في قدرته على بناء تجربته الخاصة، مستفيدًا من إرث دبلوماسي سعودي عريق، ومواجهًا تحديات زمن مختلف تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه المصالح.
لقد علمتنا السياسة أن بعض الشخصيات لا تُقرأ من موقف واحد، وأن التجربة لا تكتمل في زيارة، مهما كانت أهميتها. لكن بعض اللحظات تفتح نافذة على ما يمكن أن يكون، وتدفعنا إلى تأمل ملامح رجل الدولة وهو يواجه اختباراته الأولى أو المتجددة أمام ملفات شديدة الحساسية.
لهذا أقول الانتصار كان خالدًا.
كان خالدًا لأن الزيارة أتاحت قراءة أوسع في شخصية الأمير خالد بن سلمان، ولأنها وضعت تجربته الدفاعية والدبلوماسية في واجهة مشهد إقليمي بالغ التعقيد. وكان خالدًا أيضًا لأن المرحلة التي يقودها الأمير محمد بن سلمان تبرز أهمية تكامل القيادة الاستراتيجية مع المسؤوليات التنفيذية والدفاعية والدبلوماسية، في دولة تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز حضورها وصناعة مستقبلها.
أما الانتصار السياسي الذي يُقاس بالنتائج، فسيظل مرهونًا بما ستفضي إليه الجهود من خفض للتصعيد، واحترام لأمن المملكة، والتزامات عملية تحول دون عودة المواجهة. فهذه هي المحصلة التي ينتظرها الوطن، وهي المعيار الذي يمنح أي جهد دبلوماسي قيمته الحقيقية.
قد لا تكون الزيارة قد كتبت خاتمة الأزمة، لكنها فتحت فصلًا يستحق المتابعة في تجربة خالد بن سلمان؛ فالانتصار الذي أراه اليوم هو بزوغ نجم، أما الانتصار الذي سيكتبه التاريخ، فستحدده المواقف والنتائج والأثر الذي يتركه الرجل في خدمة وطنه.

كاتب رأي 

#نحن_طويق 

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج والمشرف على الثقافية وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.