المشهد المسرحي في مواجهة أعداء الوطن

المشهد المسرحي في مواجهة أعداء الوطن
بقلم د. عبدالرحمن الوعلان
ليس الوطن حدودًا جغرافية فحسب، ولا رايةً ترفرف في سماء المكان، بل هو ذاكرة الإنسان، وامتداد هويته، ومجموعة القيم التي تمنحه الشعور بالانتماء والأمان. وحين يواجه الوطن تحديات تستهدف أمنه واستقراره أو تسعى إلى تشويه صورته وزعزعة ثقة أبنائه به، فإن المواجهة لا تكون أمنيةً وعسكريةً فقط، بل تمتد إلى ميادين الوعي والثقافة والفكر والإعلام. وهنا يبرز المسرح بوصفه أحد أهم الفضاءات التي يمكن أن تسهم في حماية الوعي الوطني، وتحصين المجتمع من التضليل، وتعزيز القدرة على التمييز بين الاختلاف المشروع والخطاب الذي يستهدف تفكيك المجتمع والإضرار بمصالحه.
فالمسرح، منذ نشأته، لم يكن مجرد مساحة للترفيه أو منصة لاستعراض المهارات الفنية، بل ظل مجالًا لطرح الأسئلة الكبرى، وكشف التناقضات، ومناقشة علاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع والتاريخ. إنه فنّ يضع الإنسان أمام مرآته، ويمنحه فرصة رؤية ذاته ومراجعة أفكاره ومواقفه، ولذلك فإن توظيفه في القضايا الوطنية لا ينبغي أن يُختزل في رفع الشعارات أو ترديد العبارات الحماسية، وإنما في صناعة وعي قادر على فهم التحديات، وإدراك المصالح المشتركة، وتقدير قيمة الوطن ومسؤولية المحافظة عليه.
من الخطاب المباشر إلى التأثير العميق
حين نريد توظيف المسرح في مواجهة الجهات المعادية للوطن، فإن السؤال الأهم ليس: ماذا سنقول على خشبة المسرح؟ بل: كيف نجعل الجمهور يفكر فيما نقول؟
فالخطاب المباشر قد يعبّر عن موقف واضح، لكنه لا يضمن بالضرورة وصول الرسالة إلى أعماق المتلقي. أما المسرح، فيمتلك أدوات مختلفة؛ إذ يستطيع أن يحوّل الفكرة إلى موقف إنساني، والمعلومة إلى حدث درامي، والتحذير إلى تجربة يعيشها المشاهد من خلال الشخصيات والصراع والنتائج.
يمكن للمسرح، مثلًا، أن يكشف كيف تبدأ حملات التضليل بخبر كاذب، وكيف تنتقل الشائعة من هاتف إلى آخر، وكيف تتحول المعلومة غير المتحقَّق منها إلى موقف عدائي، ثم إلى أزمة تمس العلاقات الاجتماعية والثقة بالمؤسسات. وعندما يرى الجمهور هذه السلسلة تتجسد أمامه في عرض مسرحي، فإنه لا يتلقى نصيحة جاهزة فحسب، بل يتابع آليات صناعة التضليل، ويكتشف كيف يمكن للفرد أن يتحول، من غير قصد، إلى أداة لنشره.
وهنا تكمن قوة المسرح: إنه لا يكتفي بتقديم الإجابة، بل يدرّب المتلقي على اكتشاف السؤال الصحيح.
المسرح وصناعة المناعة الفكرية
إن مواجهة أعداء الوطن تبدأ من بناء إنسان يمتلك القدرة على التفكير النقدي، ولا يندفع خلف كل خطاب مثير، ولا يسمح للخوف أو الغضب بأن يعطّل حكمه على الأشياء. ومن هذا المنطلق، يمكن للمسرح أن يسهم في بناء المناعة الفكرية من خلال عروض تناقش الشائعات، وخطاب الكراهية، والاستقطاب، والتلاعب بالمعلومات، واستغلال الأزمات لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية.
ويمكن أن تتناول النصوص المسرحية شخصيةً تتلقى معلومات مضللة، فتتصرف بناءً عليها، ثم تكتشف أن قراراتها ألحقت الضرر بأسرتها أو مجتمعها. كما يمكن أن تقدم شخصيةً أخرى تتحقق من المعلومات، وتناقش مصادرها، وتختار التروي بدل الانفعال، لتكشف المقارنة بين الشخصيتين أثر الوعي في حماية الإنسان ومحيطه.
لكن هذا التوجه يتطلب حذرًا فنيًا وفكريًا؛ فليس كل اختلاف في الرأي عداءً للوطن، وليس كل نقد للمؤسسات موقفًا معاديًا لها. والمسرح الوطني الناضج هو الذي يميز بين النقد المسؤول الذي يسعى إلى الإصلاح، وبين التضليل المتعمد الذي يستهدف الإضرار بالمجتمع. وبهذا التمييز يحمي المسرح الوعي من جهتين: من محاولات التضليل الخارجي، ومن التبسيط الذي يحوّل كل اختلاف إلى خصومة.
من الوطنية العاطفية إلى الوطنية الواعية
تحتاج الأوطان إلى مشاعر أبنائها، لكنها تحتاج أيضًا إلى وعيهم ومهاراتهم ومسؤوليتهم. فالوطنية التي تقتصر على الحماسة المؤقتة قد تخبو بانتهاء المناسبة، أما الوطنية التي تتأسس على المعرفة والفهم والمشاركة فتستطيع أن تتحول إلى سلوك يومي.
ومن هنا، لا ينبغي أن يظل المسرح الوطني حبيس المناسبات الرسمية، ولا أن يرتبط حضوره بأيام محددة ثم يغيب عن المجتمع بقية العام. إن الحاجة الحقيقية تتمثل في إنتاج عروض تستمر، وتتجدد، وتصل إلى المدارس والجامعات والميادين الثقافية والمراكز المجتمعية، وتناقش القضايا التي تمس حياة الناس وأمنهم الفكري والاجتماعي.
ويمكن للمسرح المدرسي، على وجه الخصوص، أن يؤدي دورًا مهمًا في تعليم الناشئة كيفية التحقق من الأخبار، واحترام التنوع، وإدارة الخلاف، ومواجهة التنمر والتحريض، وفهم أثر الكلمات والمنشورات في الآخرين. فبدل أن نطالب الطالب بألا يصدق الشائعات، يمكن أن نضعه داخل تجربة مسرحية تجعله يكتشف بنفسه كيف تنشأ الشائعة، وكيف تنتشر، وكيف يمكن إيقافها.
أما المسرح الجامعي، فيستطيع أن يفتح المجال أمام نقاشات أعمق حول الأمن الفكري، والإعلام الرقمي، والحرب النفسية، وأخلاقيات تداول المعلومات، من خلال أعمال تجمع بين المتعة الفنية والتحليل الفكري.
كيف نوظّف المسرح عمليًا؟
إن تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة يتطلب مشروعًا مسرحيًا واضح الأهداف، لا مجرد دعوة عامة إلى تقديم عروض وطنية. ويمكن أن يقوم هذا المشروع على مسارات متكاملة:
إنتاج نصوص مسرحية معاصرة: تتناول التضليل الإعلامي، والشائعات، والتحريض، ومحاولات تفكيك النسيج الاجتماعي، من خلال شخصيات مركبة وصراعات واقعية، بعيدًا عن المباشرة والخطابة.
تدريب الممارسين المسرحيين: على تناول القضايا الوطنية بحساسية ومسؤولية، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الوقائع والآراء، وتقديم معالجة فنية تحترم عقل الجمهور.
تفعيل المسرح المدرسي والجامعي: بإقامة ورش وعروض تفاعلية تدرب الطلاب على التفكير النقدي، والتحقق من المصادر، والحوار، ومواجهة حملات التضليل.
تطوير المسرح الرقمي: عبر مشاهد قصيرة وأفلام مسرحية ومقاطع تفاعلية تناسب المنصات الرقمية، وتخاطب الجمهور بلغته، وتنافس المحتوى المضلل بمحتوى موثوق وجذاب.
بناء شراكات مؤسسية: تجمع الجهات الثقافية والتعليمية والإعلامية، بما يتيح إنتاج أعمال ذات جودة فنية، ورسائل واضحة، وأثر قابل للتقييم.
قياس الأثر بدل الاكتفاء بعدّ العروض: من خلال دراسة مدى فهم الجمهور للرسائل، وقدرته على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وتغير سلوكه في تداول الأخبار والتفاعل معها.
ومن الضروري أن يستند هذا العمل إلى معلومات موثوقة، وأن يبتعد عن اختلاق الوقائع أو شيطنة جماعات بأكملها أو تحويل المسرح إلى أداة للتحريض. فالمسرح الذي يدافع عن الوطن ينبغي أن يدافع أيضًا عن وعي الإنسان وكرامته، وأن يرسّخ الثقة القائمة على المعرفة، لا الخوف القائم على الشك.
أندية الهواة.. قوة ثقافية يمكن استثمارها
لا يقتصر هذا الدور على المؤسسات المسرحية الكبرى؛ فأندية الهواة والجمعيات الثقافية والفرق المسرحية المحلية تمتلك قدرة على الوصول إلى المجتمعات في بيئاتها المختلفة، وتقديم أعمال قريبة من تفاصيل الحياة اليومية.
ومن هنا، يمكن لأندية الهواة أن تطلق مبادرات مسرحية مستدامة بعنوان «المسرح والوعي الوطني»، أو «خشبة ضد التضليل»، أو «المسرح حصانة فكرية»، تتضمن مسابقات لكتابة النصوص، وقراءات مسرحية، وعروضًا قصيرة، ولقاءات حوارية، وورشًا للطلاب والشباب.
وتكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تنقل المسرح من دائرة النشاط الموسمي إلى دائرة المسؤولية الثقافية المستمرة، وتمنح المواهب الشابة فرصة للمشاركة في معالجة القضايا الوطنية بأدوات فنية، بدل الاكتفاء بتلقي الرسائل من طرف واحد.
كما ينبغي أن تتاح للمسرحيين مساحة من الحرية الإبداعية المنضبطة بالمسؤولية المهنية والقانونية؛ لأن العمل الفني لا يكتسب قوته من فرض الإجابات عليه، بل من قدرة صانعيه على بناء شخصيات مقنعة، وصراعات حقيقية، ونهايات تدفع الجمهور إلى التفكير.
المسرح في زمن الأزمات
تزداد أهمية المسرح في أوقات الأزمات؛ إذ تتسارع الأخبار، وتتضارب الروايات، وتعلو الانفعالات، وقد يجد الإنسان نفسه أمام سيل من المعلومات يصعب التحقق منها. وفي مثل هذه الظروف، يستطيع المسرح أن يقدّم مساحة للتأمل، ويعيد ترتيب الأسئلة، ويكشف أثر الخوف والشائعة والتحريض في الفرد والجماعة.
ولا يعني ذلك أن يتحول المسرح إلى منصة لنشر خطاب واحد، بل أن يكون فضاءً يساعد المجتمع على فهم ما يواجهه، ويعزز ثقته بقدرته على التعامل مع الأزمات بوعي وتماسك. فالمجتمع الذي يمتلك القدرة على الحوار والتحقق والتفكير أقل قابلية للانجرار وراء التضليل، وأكثر استعدادًا لحماية مصالحه ومؤسساته.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمسرح؛ فهو لا يواجه التضليل بتضليل مضاد، ولا الكراهية بكراهية مماثلة، وإنما يواجههما بكشف آلياتهما، وتوسيع مساحة الفهم، وتعزيز المسؤولية الفردية والجماعية.
إن توظيف المسرح في مواجهة أعداء الوطن ليس مشروعًا دعائيًا عابرًا، بل هو استثمار في الإنسان، وفي قدرته على الفهم والتمييز واتخاذ القرار. فالأوطان لا تحميها القوة وحدها، ولا تصونها الشعارات وحدها، وإنما يحميها أيضًا وعي أبنائها، وثقتهم المبنية على المعرفة، وقدرتهم على التكاتف من دون إلغاء الاختلاف.
وعلى المشهد المسرحي السعودي أن ينظر إلى هذه المهمة بوصفها فرصة لتوسيع أثره الثقافي والاجتماعي، وإثبات أن المسرح ليس ترفًا في حياة المجتمعات، بل أحد أدواتها في بناء الوعي ومناقشة التحولات وحماية الهوية.
فحين يواجه المسرح التضليل بالحقيقة، والانفعال بالتفكير، والكراهية بالحوار، فإنه لا يقف على خشبة المسرح فحسب، بل يسهم في بناء جدار من الوعي يحمي الوطن من الداخل.
لأن المعركة الأعمق ليست دائمًا على الأرض؛ فقد تكون في الفكرة التي يصدقها الإنسان، والخبر الذي يعيد نشره، والموقف الذي يتخذه. وهنا، يصبح المسرح أكثر من فنٍّ يُشاهَد؛ يصبح وعيًا يُبنى، ومسؤوليةً تُمارَس، وانتماءً يتجدد.
كاتب مسرحي



