ما بين القلم والبشت الحساوي

ما بين القلم والبشت الحساوي
بقلم: د. عبدالرحمن الوعلان
ذات يوم، جاءني ابني الصغير عمر ويحمل في يده ورقة، وعلى وجهه ملامح حماسة لا تخطئها العين، وقال: أبي، أريد أن أكتب مقالًا في صحيفتكم كما يكتب الصغار في صفحة أقلام ناشئة. فقلت له: مرحبًا بك، فالصحيفة تتسع للأقلام الواعدة، والأفكار الجميلة، وناولني الورقة، وبدأت أقرأ؛ كان المقال أقوى في صياغته، بل ويتجاوز مستوى تفكيره الصغير، حتى خُيّل إليّ أن وراءه قلمًا آخر استعان به في صياغته، فاكتشفت أن أخته (لين) قد ساعدته ببرامج الذكالي!
وحين انتهيت من القراءة الثانية للمقال، بادرني قائلًا: أبي، أريدك أن تضع صورتي مع المقال، فأخرج صورة اختارها بعناية؛ ثوبًا وشماغًا وعقالًا ومشلحًا، (محفوظة لديه) هيئة مكتملة كأنه يستعد لحضور مناسبة رسمية أو استقبال ضيوف في مجلس عام. تأملت الصورة، ثم نظرت إليه وابتسمت وسألته: ولماذا كل هذا يا بني؟
لم يفهم سؤالي في البداية، فقلت له: أنت تريد أن تنشر مقالًا في صحيفة، لا أن تحضر مناسبة رسمية! القارئ لا ينتظر منك أن تعرض عليه أناقتك، ولا أن يتأمل تفاصيل ما ترتديه؛ إنه يريد أن يقرأ قلمك، ويتعرف إلى اسمك، ويتأمل فكرتك، أنت تحاول ممارسة عمل صحفي مهني، ولك في الصحافة هيئتك الطبيعية لا المتكلفة،
ومهارتك لا تُقاس بما ترتديه، وإنما بما تكتب.
يا بني، تأمل صور كثير من كبار كتّابنا وصحفيينا؛ تركي السديري، وعبدالرحمن الراشد، وخالد السليمان، وعبدالله حمدان، وقينان الغامدي، وجميل الذيابي، وعثمان العمير، ومحمد التونسي، وغيرهم من الأسماء التي صنعت حضورها في الذاكرة الصحفية السعودية. لم تكن قيمة هؤلاء فيما ارتدوه أمام الكاميرا، ولم يستمدوا مكانتهم من (بشت) بل من أقلام كتبت، وأفكار ناقشت، ومواقف تركت أثرًا. البشت أو المشلح من مكونات زينا الوطني ولباس له مكانته وتقديره في السياقات الاجتماعية والوطنية؛ لكنه ليس بطاقة عبور إلى عالم الصحافة، ولا وثيقة اعتماد تمنح صاحبها صفة الكاتب، ثم قلت له: انظر حولك يا بني، حتى رموزنا الوطنية، حين يكونون في مواقع العمل الميداني، أو في بعض اللقاءات التي تقتضي طبيعتها البساطة والعملية، تجدهم يبتعدون عن الرسميات في مظهرهم، ويختارون ما يناسب المقام والموقف، وحين تستدعي المناسبة الزي الرسمي، يعرفون متى يرتدونه. فلكل مقام هيئته، ولكل سياق مقتضياته.
ابتسم ابني، وقال لقد فهمت أن لكل مقام مقال ولكل زي مقامه وسياقه، قال ذلك وكأنه اكتشف أن الصورة التي اختارها لم تكن بالضرورة الصورة التي يحتاج إليها مقاله، وقال: صدقت يا أبي. ثم أخذ الورقة، وأعاد ترتيبها، وقال بثقة: سأكتب بقلمي، وأضع اسمي، وصورتي بما يليق النشر الصحفي، وسأختار هيئة تناسب القلم والورقة والصحافة، ابتسمت وأنا أراه يعيد كتابة مقاله، لكن سؤاله الصغير بقي في ذهني. فهل أصبحنا نخلط بين الكاتب وصورته؟ وهل نبحث عن الوقار في هيئة صاحب المقال قبل أن نبحث عنه في مضمون المقال نفسه؟
لا اعتراض على كل ما يظهر في عالم الصحافة، وإنما الاعتراض على أن يتحول الزي إلى علامة بصرية نعتقد أنها تمنح الكلمة وزنًا إضافيًا، فنحن بحاجة إلى أقلام تصنع صحافة وتكشف عقولًا، وبين ذلك وذلك مسافة لا يختصرها مظهر.



