هل اقتربت الحرب أم ابتعدت؟

هل اقتربت الحرب أم ابتعدت؟
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
الثلاثاء الموافق ( 27 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( من يزرع الحروب خارج حدوده ، ويهدد أمن جيرانه وممرات العالم البحرية ، عليه أن يدرك أن سياساته قد تعيد أخطار تلك الحروب إلى أرضه . )
المقدمة .
تقف المنطقة أمام اختبار استراتيجي بالغ الخطورة ؛ فبينما تتسارع الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة الإيرانية ، تتزايد الاستعدادات العسكرية الأمريكية والمخاوف من تجدد الحرب بما يهدد أمن الخليج والممرات البحرية الدولية . ويواجه النظام الإيراني ، الذي يسعى إلى تجنيب أراضيه جولة جديدة من الحرب ، تداعيات سياساته التي أسهمت في تأجيج الصراعات وتهديد أمن جيرانه .
وجاء اجتماع طهران يوم ( 26 ) أكتوبر ، بمشاركة صاحب السمو الملكي الأمير /
خالد بن سلمان بن عبدالعزيز / وزير الدفاع ، والمشير عاصم منير / رئيس أركان الجيش الباكستاني ، وإبراهيم قالن / رئيس الاستخبارات التركية ، ضمن جهود دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك لخفض التصعيد وتشجيع الحلول الدبلوماسية ودعم الوساطة القطرية والباكستانية . ويؤكد هذا التحرك حرص المملكة على حماية أمنها وسيادتها ومواطنيها ومقدساتها ومصالحها الاستراتيجية ، وتجنيب المنطقة مواجهة جديدة .
وتكتسب هذه المحادثات أهمية استراتيجية باعتبارها أول اجتماع رفيع المستوى يجمع ممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع إيران منذ اتساع نطاق المواجهة الإقليمية . ويعكس هذا التحرك توظيف التعاون الدفاعي والسياسي بين الدول الثلاث لتعزيز فرص التسوية ، وإظهار قدرتها على الجمع بين الاقتدار العسكري والحكمة الدبلوماسية ، مع المحافظة على استقلال قراراتها ومصالحها الوطنية .
وتواجه الجهود الدبلوماسية إرثا ثقيلا من التدخلات الإيرانية ؛ فقد دعم الحرس الثوري الإيراني جماعات و تنظيمات و ميليشيات و عصابات إرهابية مسلحة في اليمن والعراق ولبنان وغيرها ، وأسهم في إطالة الصراعات وإضعاف مؤسسات الدول . كما واجهت طهران اتهامات بأنشطة تجسس وشبكات تخريبية داخل دول المنطقة ، وهي اتهامات تستوجب التحقيق والمساءلة وفق الأدلة والقانون .
العدوان الإيراني المباشر .
وشكل العدوان العسكري الإيراني المباشر بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وعدد من دول المنطقة تصعيدا خطيرا وانتهاكا لسيادة الدول . وطالت الهجمات منشآت نفطية ومطارات ومرافق حيوية ومناطق مدنية ، رغم حرص الدول الخليجية على تجنب الانخراط في الحرب . وأدان مجلس التعاون الخليجي ودول عربية وإسلامية هذه الاعتداءات ، مؤكدين حق الدول المستهدفة في الدفاع عن نفسها وفقا للمادة ( 51 ) من ميثاق الأمم المتحدة . وتقتضي أي تسوية جادة ضمانات تمنع تكرار هذا العدوان .
وامتدت تداعيات المواجهة إلى الملاحة الدولية ؛ فقد شهد الخليج العربي ومضيق هرمز اضطرابات وقيودا على حركة السفن ، بينما هددت هجمات الحوثيين الإرهابيين الملاحة في بحر العرب وباب المندب وجنوب البحر الأحمر ، ورفعت تكاليف الشحن والتأمين . ويقتضي تحميل إيران المسؤولية القانونية عن عمليات الجماعات الإرهابية المسلحة إثبات طبيعة مشاركتها أو سيطرتها على الأفعال المعنية .
وعسكريا ، تشير التقارير الحديثة عن تعزيز الوجود البحري والجوي الأمريكي إلى رفع مستوى الاستعداد لخيارات عسكرية محتملة ، مع بقاء احتمال توظيف هذه القدرات للردع والضغط التفاوضي قائما . وتشمل هذه التعزيزات حاملات الطائرات والقدرات اللوجستية والاستطلاعية . وفي المقابل ، تسعى إسرائيل إلى إبقاء الخيار العسكري مطروحا ، بينما تحتفظ واشنطن بقرار مشاركتها وفق مصالحها وحساباتها الاستراتيجية . وتتباين حسابات الحلفاء بشأن أهداف الحرب وتوقيتها وتكاليفها . وقد يؤدي استهداف المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية ، أو الاعتداء الواسع على الملاحة ، أو انهيار الوساطة إلى تسريع المواجهة .
وتظل الاعتداءات الحوثية الإرهابية على المملكة اختبارا مباشرا لجدية التهدئة . فأمن المملكة ومقدساتها ومنشآتها الحيوية أولوية مطلقة ، ويتمثل الاختبار الحقيقي لجدية طهران في وقف الاعتداءات الحوثية الآثمة والسافرة على المملكة ، واحترام سيادة دول المنطقة ، وضمان حرية الملاحة الدولية ، ووقف دعم الجماعات الغاشمة المسلحة ، والانتقال من التعهدات السياسية إلى إجراءات عملية قابلة للتحقق .
الخاتمة .
تشير القراءة العسكرية والاستراتيجية إلى استمرار مؤشرات التصعيد واحتمالات المواجهة ، غير أن المعطيات المتاحة حتى الآن تعزز تقدير استمرار خطر الحرب دون أن تحسم رجحانها على فرص التسوية . وقد فتحت محادثات طهران نافذة للتهدئة ، وأكدت الأطراف أهمية مواصلة الحوار ، فيما يظل التوصل إلى اتفاق نهائي يعالج أسباب التصعيد مرهونا بنتائج الجهود الدبلوماسية المقبلة . ويتوقف نجاح الوساطة على تحويل الحوار إلى التزامات عملية وضمانات أمنية تحمي المملكة العربية السعودية ودول المنطقة من تجدد العدوان .
واحذر من الصديق الذي يزين لك الحرب ويوهمك بالنصر ثم يتركك وحيدا تواجه نتائجها فالصديق الحقيقي يحميك من السوء أما صديق المصالح فيدفعك إليه ثم يقف بعيدا يتفرج على خسائرك ويجني المكاسب على حسابك .
