الغادر ، ماذا يريد ؟

الغادر ، ماذا يريد ؟
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
الخميس الموافق ( 22 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( أشد الغدر قبحا أن يطعنك من ائتمنته، ويؤذيك من أحسنت إليه، ويمد عدوك بأسباب العدوان من أقسم لك على المحبة والوفاء، ثم يختبئ خلف الجدران متوهما أن خفاء اليد يمحو مسؤولية الفعل . )
المقدمة .
الغادر ، ماذا يريد ؟ سؤال يختصر مأساة الثقة حين تتحول إلى وسيلة للإيذاء، والمحبة حين تقابل بالجحود، والصداقة حين تصبح قناعا لعداوة مستترة. وأقبح الغدر أن يأتيك الأذى ممن جمعك به الدم أو الجوار أو الوفاء، وممن لم تبخل عليه بمعروف، ولم تمنحه إلا ما يستحقه الصديق من محبة وثقة واحترام.
وإذا كان غدر الأفراد يهدم الثقة، فإن الغدر السياسي قد يهدم أوطانا ويشرد شعوبا، حين تعلن بعض الأطراف احترام السيادة وحسن الجوار، بينما يثبت تورط جهات مرتبطة بها في تمويل العدوان وتسليح الجماعات المسلحة.
1. لماذا يغدر الغادر ؟
تقوم الصداقة والأخوة الحقيقية على الوفاء والصدق والمروءة، بينما تقوم العلاقات القائمة على المنفعة المجردة على حسابات الربح والخسارة. وحين تتغلب الأطماع على المبادئ، تتحول المودة إلى وسيلة للاستغلال، وتصبح الثقة بابا يدخل منه الغادر إلى حياة من أحسن إليه.
والغادر قد يريد مالا أو نفوذا أو انتقاما، وقد يدفعه الحسد إلى إيذاء من لم يعتد عليه، لأنه يعجز عن احتمال نجاح الآخرين. وبعض النفوس قد تمتلك من أسباب النعمة والجاه ما يغنيها عن إيذاء غيرها، لكنها تعجز عن احتمال رؤية الخير عند سواها.
وهنا تكمن المفارقة، فالغادر يريد الاحتفاظ بثقة من يخونه، والاستفادة من خصمه في الوقت نفسه، وكأنه يطالب بامتيازات الصديق وحرية العدو دون تحمل مسؤولية أي منهما.
2. حين يتحول الغدر إلى سياسة .
في العلاقات الدولية قد تتخذ الممارسات الخفية صورا متعددة، من التمويل والتهريب إلى التدريب وتبادل المعلومات وتوفير الغطاء السياسي، وهي ممارسات تتجاوز الخلافات السياسية المشروعة عندما تسهم في الاعتداء على سيادة الدول وأمن شعوبها.
وتبرز خطورة هذه الممارسات في اليمن، حيث أدى انقلاب الحوثيين على مؤسسات الدولة في سبتمبر ( 2014 )م إلى صراع طويل ألحق بالشعب اليمني الشقيق أضرارا إنسانية واقتصادية جسيمة.
وقد أسهم الدعم العسكري والتقني الذي قدمه النظام الإيراني للحوثيين، عبر الحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني وعناصر لبنانية وعراقية إرهابية من قبيل حزب الله وغيرهم، في تعزيز قدراتهم على تنفيذ اعتداءات طالت المملكة العربية السعودية، وهددت الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
أما أي اتهامات تتعلق بجهات أخرى أو شبكات دعم لدول إقليمية تعمل من وراء الجدران، فإن تحديد مسؤوليتها وإدانتها أمران منتهيان بكل الأحوال، مع التمييز بين الشعوب والحكومات والتنظيمات الميليشياوية المسلحة.
3. الغدر في زمن الأزمات .
تتحول الأزمات الإقليمية إلى بيئة خصبة للمناورات السياسية، حيث قد تستغل بعض الجهات انشغال الدول بمواجهة التهديدات العسكرية لتوسيع نفوذها، أو تمرير مصالحها، أو تقديم دعم غير مباشر لأطراف الصراع، مع الحرص على إبقاء أدوارها بعيدة عن الأنظار.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تستخدم العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية ستارا لأنشطة تتناقض مع الالتزامات المعلنة، فتتحول الثقة المتبادلة إلى ثغرة أمنية، ويصبح الغموض المقصود وسيلة للتهرب من المسؤولية.
وفي ظل التوترات القائمة والحرب ( الوشيكة الحدوث ) بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، فإن أي توسع في المواجهة قد يهدد أمن دول المنطقة والمنشآت المدنية وطرق الطاقة والتجارة الدولية، ويضاعف معاناة الشعوب التي دفعت بالفعل أثمان الصراعات.
والغادر في العلاقات الإنسانية يبيع صديقه لقاء منفعة، والغادر في العلاقات الدولية قد يبيع أمن جاره لقاء نفوذ، وكلاهما يستغل ثقة الآخرين دون تحمل تبعات خيانتها.
4. من المستفيد من استنزاف الأشقاء ؟
ماذا يريد من يساهم في إضعاف الجمهورية اليمنية؟ ولمصلحة من يستمر تهديد أمن المملكة العربية السعودية؟ وهل يتصور بعض أصحاب النفوذ أن استنزاف الآخرين يمنحهم قوة دائمة؟
قد تسعى أطراف إلى توسيع نفوذها أو امتلاك أوراق ضغط سياسية – حسب أجنداتها السرية -، لكن هذه الحسابات الآثمة لا تبرر الاعتداء على سيادة الدول أو تمكين جماعات إرهابية مسلحة من تهديد المدنيين.
لقد قدمت المملكة دعما سياسيا وإنسانيا واقتصاديا لليمن، وتظل حماية أمنها وشعبها ومقدراتها حقا أصيلا. كما أن استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومساندة قواتها الحكومية، وإنهاء معاناة شعبها، أهداف ترتبط بأمن المنطقة واستقرارها.
وتبقى جاهزية القوات المسلحة السعودية، وتماسك الجبهة الداخلية، وحماية المعلومات والمنشآت الحيوية، ركائز أساسية لصيانة السيادة ومواجهة التهديدات.
5. الغدر لا يمنح الحصانة .
قد يظن الغادر أن تعدد الوسطاء يخفي دوره، وأن التمويل غير المباشر يبعد عنه المسؤولية، وأن الابتسامات والتصريحات الودية تكفي لطمس حقيقة أفعاله. غير أن العمل عبر الوسطاء لا يعفي من المساءلة متى ثبتت المساهمة في تمويل الاعتداءات أو تسهيل تهريب الأسلحة أو تقديم المعلومات للمعتدين، وفقا للقانون المنطبق.
ومن هنا تبرز أهمية تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة باليمن، وفي مقدمتها القرار ( 2216 )، وتجفيف شبكات تمويل الجماعات المسلحة، وحماية الملاحة الدولية، ومنع تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
فالغادر يريد مكاسب الثقة دون الوفاء بمسؤولياتها، ومنافع العدوان دون تحمل تبعاته، لكن الصداقة بين الدول لا تقاس بكثرة التصريحات، وإنما بصدق الالتزامات واحترام السيادة والامتناع عن الإضرار بأمن الآخرين.
الخاتمة .
أيها الغادر، ماذا تريد؟ أتريد مالا لا تستحقه، أم نفوذا لا تملكه، أم انتقاما لا تجرؤ على إعلانه؟ لقد خنت من ائتمنك، وآذيت من أحسن إليك، وفتحت للمعتدي أبوابا كان ينبغي أن تغلق في وجهه.
إن الغدر قد يمنح صاحبه مكسبا عابرا، لكنه يسلبه أثمن ما يملك، شرف الكلمة وصدق الموقف وثقة الآخرين. أما الأوطان، فإنها تحمي أمنها باليقظة والجاهزية والاقتدار، وتصون سيادتها بوحدة صفوفها، وتدرك أن الأخطار قد تأتيها من عدو ظاهر أو من خصم يتوارى خلف أقنعة الصداقة وحسن الجوار.
ومن هنا فإن اليقظة والاستعداد والأخذ بأسباب القوة تبقى من مقتضيات حماية الأوطان وصيانة سيادتها، مصداقا لقول الله تعالى في محكم التنزيل الكريم:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾
( سورة الأنفال، الآية 60 ).
