نحن طويق

السعودية.. حكمةٌ تحاصر التطرف، ورحمةٌ تفتح أبواب السلام

السعودية.. حكمةٌ تحاصر التطرف، ورحمةٌ تفتح أبواب السلام

حين تلتقي الحكمة بالرحمة، يصبح السلام أفقًا للبناء، وتغدو الإنسانية مساحةً تتسع للجميع.

لا يُقاس أثر الدول بما تمتلكه من إمكانات فحسب، بل بما تقدمه للإنسان من أمنٍ وأمل، وبما تبذله من جهودٍ لتخفيف المعاناة، واحتواء الأزمات، وفتح الطرق أمام السلام والبناء والإعمار. فالقيمة الحقيقية للقوة تظهر حين تُسخَّر لحماية الإنسان وصون كرامته، وحين تكون الحكمة سبيلًا لتقدير المواقف، وتكون الرحمة أساسًا للتعامل مع آلام البشر واحتياجاتهم.

ومن هذا المنطلق، تبرز المملكة العربية السعودية بما تبذله من جهود إنسانية وإغاثية، وما تقدمه من مبادرات لدعم المتضررين من الأزمات والكوارث، وما تقوم به من أعمال تسهم في تخفيف المعاناة وتعزيز فرص التعافي والاستقرار. وتمثل الجهود التي يضطلع بها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية مثالًا على أهمية العمل الإنساني المنظم، الذي يتجاوز حدود المكان ليصل إلى الإنسان حيثما احتاج إلى العون والمساندة.

إن مواجهة التطرف لا تتحقق بمجرد رفض أفكاره، بل تحتاج إلى فهم العوامل التي تغذّيه، وإدراك الوسائل التي يستغل بها الخوف والغضب والمعاناة، ثم بناء وعيٍ قادر على التمييز بين الاختلاف والعداوة، وبين النقد والتحريض، وبين المطالبة بالحقوق وإهدار كرامة الآخرين.

فالتطرف، أينما ظهر، يضيّق مساحة الحكمة، ويضعف القدرة على التفاهم، ويحوّل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى مبرر للإقصاء والصراع. وهو لا يهدد مجتمعًا بعينه، بل يمسّ جوهر الحياة الإنسانية؛ لأنه يجعل الخصومة غاية، ويمنح الكراهية مساحةً تتراجع فيها الرحمة، ويستهلك طاقات الإنسان في النزاع بدلًا من توجيهها إلى البناء والإبداع.

ولهذا فإن التصدي للتطرف يحتاج إلى مسارين متكاملين: مسارٍ يواجه التحريض والعنف، ومسارٍ يبني الوعي ويعزز المسؤولية الإنسانية. فالأول يحمي المجتمعات من الأذى، والثاني يساعدها على ألا تعيد إنتاج أسبابه. ولا يكتمل أحدهما دون الآخر؛ إذ لا يكفي أن نرفض الكراهية ما لم نُنمِّ في المقابل ثقافة التفاهم، ولا يكفي أن ندعو إلى السلام ما لم نهيئ له أسبابًا واقعية تقوم على العدل واحترام الكرامة الإنسانية.

وتتجلى أهمية الحكمة في قدرتها على تقدير العواقب، واختيار الوسائل التي تقلل الخسائر وتفتح أبواب الحلول. فليس كل تصعيد قوة، وليس كل تنازل ضعفًا، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى معركة مفتوحة. وقد يكون الحوار المسؤول، حين تتوافر له أسبابه الجادة، طريقًا لتجنب معاناة إضافية، وحماية الأرواح، وإعادة توجيه الجهود نحو ما ينفع الإنسان.

أما الرحمة، فليست مجرد شعورٍ عابر أو كلماتٍ تُقال في المناسبات، بل مسؤولية تُترجم إلى عمل: إغاثة محتاج، ومساندة متضرر، وحفظ كرامة إنسان، وإتاحة فرصة للتعافي، وتخفيف آثار النزاعات عن الأبرياء. وهي لا تتعارض مع العدل، بل تمنحه بعده الإنساني، ولا تلغي المسؤولية، بل تجعل التعامل معها أكثر اتزانًا وإنصافًا.

ومن هنا تأتي أهمية المبادرات الإنسانية والتنموية التي تسهم في الانتقال من الاستجابة العاجلة للأزمات إلى دعم التعافي وإعادة البناء، بالتعاون مع الجهات الدولية والإنسانية. فالإغاثة تحفظ الحياة في لحظات الخطر، أما البناء والإعمار فيساعدان المجتمعات على استعادة قدرتها على الاستمرار، ويمنحان الإنسان أملًا في مستقبلٍ لا تهيمن عليه آثار الصراع.

وإن الإشادة بالجهود السعودية في هذا المجال لا تحتاج إلى مبالغة أو شعارات؛ إذ يكفي أن تُقرأ من خلال ما تقدمه من أعمال ومبادرات ومساهمات إنسانية، وما تسعى إليه من دعمٍ للحوار والسلام وتخفيف المعاناة. فالأثر الإنساني هو المعيار الأهم، والعمل المتواصل هو ما يمنح المبادرات قيمتها، والنتائج التي تمس حياة الناس هي ما يجعل الجهود جديرة بالتقدير.

إن العالم اليوم بحاجة إلى توسيع المساحة المشتركة بين البشر، وإلى خطابٍ يواجه التطرف دون أن يتحول إلى صورة أخرى من صور الإقصاء، وإلى وعيٍ يرفض التحريض ويحفظ حق الإنسان في الاختلاف، وإلى مواقف تُقدِّم سلامة الأرواح على المكاسب الضيقة، والبناء على الهدم، والتفاهم على العداوة.

فالإنسانية ليست أن نتفق في كل شيء، بل أن نحفظ كرامة الإنسان رغم اختلافنا. والحكمة ليست أن ننتصر في كل خلاف، بل أن نعرف متى يكون التفاهم طريقًا إلى النجاة. والرحمة ليست ضعفًا، بل قوةٌ تمنع الألم من أن يتحول إلى كراهية، وتمنح الأمل فرصةً لينمو من جديد.

وفي المحصلة، تبقى مواجهة التطرف مسؤولية إنسانية مشتركة، تتطلب وعيًا يميّز، وحكمةً تقدّر، ورحمةً تعمل. وكل جهدٍ يسهم في حماية الإنسان، وتقليل المعاناة، وتعزيز السلام، وتهيئة أسباب البناء والإعمار، هو خطوة تستحق التقدير؛ لأن مستقبل المجتمعات لا يُبنى باستمرار الصراع، بل بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى تفاهم، والألم إلى تعافٍ، والأمل إلى عملٍ نافع.

حين تحاصر الحكمة التطرف، وتفتح الرحمة أبوابها للإنسان، يصبح السلام أكثر من أمنية؛ يصبح طريقًا قابلًا للبناء.

غازي العوني

معد مبادرة نحن طويق 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.