مركز الثقافة الآسيوية بكوريا يتطلع للتعاون مع السعودية وغرب آسيا

المركز الوطني للثقافة الآسيوية في كوريا الجنوبية يتطلع إلى تعزيز التعاون الثقافي مع السعودية ودول غرب آسيا.
غوانغجو – كوريا الجنوبية | أكتوبر 2026 – ريم طارق
في إطار خططه لتوسيع حضور ثقافات الشرق الأوسط، يستكشف المركز فرص التعاون المستقبلي مع المؤسسات الثقافية والفنانين في المملكة العربية السعودية.
يتطلع المركز الوطني للثقافة الآسيوية (ACC) في كوريا الجنوبية إلى تعزيز علاقاته الثقافية مع دول غرب آسيا، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ضمن جهوده الرامية إلى توسيع نطاق التعاون الدولي والتعريف بالتراث والفنون والتقاليد الثقافية المتنوعة لدول المنطقة لدى الجمهور الكوري.
ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع خطط المركز لتطوير برامجه المتحفية الخاصة بثقافات غرب آسيا، واستكشاف فرص جديدة للتبادل الثقافي والتعاون مع المؤسسات الثقافية والفنانين والمبدعين في المنطقة.
وبحسب رئيس المركز الوطني للثقافة الآسيوية، كيم سانغ أوك، فإن توسيع التعاون الثقافي مع دول الشرق الأوسط يمثل أحد توجهات المركز المستقبلية، حيث يجري العمل على استكشاف فرص لشراكات ومبادرات من شأنها تعزيز الروابط الثقافية مع المملكة العربية السعودية.
ورغم عدم الإعلان حتى الآن عن اتفاقية تعاون رسمية بين المركز والجهات الثقافية السعودية، فإن الاهتمام المتزايد بثقافات غرب آسيا يفتح المجال أمام فرص مستقبلية للتعاون في مجالات المعارض والبحوث والإنتاج الفني والحفاظ على التراث الثقافي.
الثقافة السعودية تحضر في المشهد الثقافي الكوري
سبق للمركز الوطني للثقافة الآسيوية أن قدم جوانب من الثقافة السعودية إلى الجمهور الكوري من خلال معارض وبرامج ثقافية دولية.
ففي أكتوبر 2025، نظم المركز معرضاً بعنوان «أهلاً.. بيت فاطمة» (Ahlan, The Fatima House)، تناول الحياة اليومية والعادات والتقاليد الثقافية في عدد من دول غرب آسيا، من بينها المملكة العربية السعودية والأردن وفلسطين وسوريا.
وشهد المعرض إعادة تقديم نموذج للمجلس السعودي التقليدي، بوصفه أحد أبرز مظاهر الضيافة والتواصل الاجتماعي في الثقافة السعودية، حيث أتاح للزوار التعرف على أهمية المجالس في استقبال الضيوف وتعزيز العلاقات الأسرية والمجتمعية.
كما سلط المعرض الضوء على جوانب من الأزياء التقليدية والمساحات المنزلية والحياة اليومية للمرأة في مجتمعات غرب آسيا، مقدماً للجمهور الكوري صورة أوسع عن الهوية الثقافية للمنطقة.
ومن خلال عرض التقاليد السعودية ضمن السياق الأوسع للتنوع الثقافي الآسيوي، أبرز المعرض إمكانات الحوار والتواصل الثقافي بين كوريا الجنوبية والمملكة.
امتداد ثقافي سعودي عبر الفنون المعاصرة
لم يقتصر اهتمام المركز بالثقافة السعودية على التراث والتقاليد، بل امتد إلى الفنون المعاصرة والمبادرات الفنية الدولية.
فخلال عام 2026، استضاف المركز معرض «جائزة جميل: الصور المتحركة» (Jameel Prize: Moving Images)، وهو معرض دولي متنقل يستكشف أشكال التعبير الفني المعاصر المستلهمة من الفنون الإسلامية وتاريخها وثقافاتها.
وكان المعرض قد قُدم سابقاً في المملكة العربية السعودية قبل وصوله إلى كوريا الجنوبية، في تجربة تعكس دور المبادرات الفنية الدولية في ربط المشهد الإبداعي بين مناطق مختلفة من العالم.
وتعد جائزة جميل، التي أُطلقت عام 2009، من المبادرات الدولية المعنية بالفنون والتصميم المعاصرين المستلهمين من التقاليد الفنية الإسلامية، حيث تجمع بين الموروث الثقافي وأساليب التعبير الإبداعي الحديثة.
وأتاحت استضافة المعرض في المركز الوطني للثقافة الآسيوية للجمهور الكوري فرصة الاطلاع على رؤى فنية معاصرة مرتبطة بالثقافات الإسلامية، والتعرف على تجارب إبداعية تتجاوز الحدود الجغرافية.
وتشكل مثل هذه المبادرات أرضية يمكن البناء عليها مستقبلاً لتطوير برامج تبادل فني ومشاريع مشتركة بمشاركة فنانين ومؤسسات ثقافية سعودية وكورية.
متحف غرب آسيا.. نافذة جديدة على ثقافات الشرق الأوسط
يعمل المركز الوطني للثقافة الآسيوية على توسيع برامجه المتحفية لتعزيز حضور ثقافات غرب آسيا ضمن أنشطته ومعارضه.
ويأتي هذا التوجه استكمالاً لتجارب المركز في تقديم معارض دائمة متخصصة بثقافات جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى.
ففي يناير 2024، افتتح المركز معرضاً دائماً عن ثقافات جنوب شرق آسيا بعنوان «عالم تكشفه الرياح الموسمية: المدن الساحلية في جنوب شرق آسيا»، تلاه معرض «الرحّل على طريق الحرير»، المخصص للتعريف بثقافات آسيا الوسطى.
وانطلاقاً من هذه التجارب، يتجه المركز إلى توسيع اهتمامه بغرب آسيا، وهي منطقة تتميز بتنوع حضاري وثقافي واسع يشمل شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومناطق أخرى من القارة الآسيوية.
ومن المتوقع أن تتيح البرامج المتحفية المرتقبة فرصاً أوسع للتعريف بالتقاليد والفنون والتاريخ وأنماط الحياة والتطورات الثقافية المعاصرة في دول المنطقة.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، قد يفتح هذا التوجه آفاقاً جديدة لعرض جوانب من تراثها الغني وحراكها الثقافي والإبداعي من خلال معارض مستقبلية ومشاريع مشتركة.
وتشمل مجالات التعاون المحتملة العمارة التقليدية والحرف اليدوية والفنون البصرية المعاصرة والبحوث الثقافية وبرامج التبادل بين الفنانين السعوديين والكوريين.
وتبقى طبيعة أي مبادرات سعودية مستقبلية ونطاقها ومواعيد تنفيذها مرتبطة بنتائج المشاورات والاتفاقات التي قد تُبرم بين الجهات المعنية.
أسبوع الثقافة الآسيوية 2026 يجمع ثقافات القارة على مائدة واحدة
انعكس اهتمام المركز بتعزيز التبادل الثقافي بين الدول الآسيوية خلال فعاليات «أسبوع الثقافة الآسيوية 2026»، التي أُقيمت في ساحة الثقافة الآسيوية بمدينة غوانغجو خلال الفترة من 8 إلى 11 أكتوبر.
وجاءت الفعالية تحت شعار «المائدة الآسيوية» (Asia on the Table)، مسلطة الضوء على الطعام بوصفه لغة ثقافية مشتركة ووسيلة للتقارب والتفاهم بين الشعوب.
وشهد المهرجان الذي استمر أربعة أيام مجموعة متنوعة من الأنشطة، شملت المأكولات التقليدية والعروض الفنية والمنتجات الثقافية والتجارب التفاعلية التي عرّفت الزوار بالتنوع الثقافي في القارة الآسيوية.
وكان سوق الفنون الآسيوية (ACC Asia Art Market) من أبرز محطات المهرجان، بمشاركة 66 جناحاً تمثل 15 دولة آسيوية.
وشملت الدول المشاركة سلطنة عُمان وسوريا وتركيا والهند ونيبال ومنغوليا وإندونيسيا وتايلاند وكوريا الجنوبية، إلى جانب دول آسيوية أخرى.
وأتيحت للزوار فرصة استكشاف الحرف التقليدية والمنتجات الثقافية والمأكولات المتنوعة، والمشاركة في أنشطة تبرز العلاقة بين الطعام والتراث والحياة اليومية.
كما تضمن البرنامج تجارب للطهي، وأنشطة مرتبطة بثقافتي الشاي والقهوة، وعروضاً موسيقية وورشاً ثقافية تفاعلية.
ومن خلال هذه الفعاليات، سعى المركز إلى جعل التبادل الثقافي تجربة مباشرة تجمع الزوار من خلفيات مختلفة، وتعزز التفاهم والتواصل بين المجتمعات الآسيوية.
مؤسسة ثقافية تربط بين شعوب آسيا
افتُتح المركز الوطني للثقافة الآسيوية في نوفمبر 2015 بمدينة غوانغجو، ويعمل تحت إشراف وزارة الثقافة والرياضة والسياحة في كوريا الجنوبية.
ويعد المركز مؤسسة ثقافية متعددة التخصصات، تجمع بين البحث في الثقافات الآسيوية وجمع المواد التراثية وحفظها وتوثيقها، إلى جانب دعم الإبداع الفني وتنظيم المعارض والعروض المسرحية والبرامج التعليمية والتبادل الثقافي الدولي.
ويضم المركز متحف الثقافة الآسيوية ومكتبة متخصصة ومرافق للإنتاج الإبداعي ومسارح فنية ومركزاً لثقافة الأطفال، بالإضافة إلى ساحات عامة تستضيف المهرجانات والفعاليات المجتمعية.
ويتميز بتصميمه المعماري المستوحى من مفهوم «غابة الضوء»، الذي يجمع بين المرافق الثقافية الممتدة تحت سطح الأرض والمساحات المفتوحة والمواقع التاريخية المحفوظة.
ومن خلال برامجه الدولية، يسعى المركز إلى تعزيز فهم التنوع الثقافي في آسيا، وتوفير منصة للتعاون بين الفنانين والباحثين والمؤسسات الثقافية من مختلف الدول.
آفاق مستقبلية للتعاون الثقافي السعودي الكوري
في ظل التحولات التي يشهدها القطاع الثقافي والإبداعي في المملكة العربية السعودية ضمن رؤية السعودية 2030، تتسع فرص التعاون الدولي في مجالات الفنون والمتاحف وحفظ التراث والصناعات الإبداعية.
وتوفر هذه التطورات مجالات اهتمام مشتركة محتملة بين المؤسسات الثقافية السعودية والمركز الوطني للثقافة الآسيوية في كوريا الجنوبية.
وقد تشمل فرص التعاون المستقبلية تنظيم معارض مشتركة، وتبادل الفنانين والمبدعين، وتطوير مشاريع بحثية وثقافية، وإقامة شراكات متحفية، إلى جانب مبادرات لتعريف الجمهور الكوري بالتراث السعودي والإنتاج الإبداعي المعاصر في المملكة.
وفي المقابل، يمكن أن تتيح مثل هذه الشراكات للجمهور السعودي فرصاً للتعرف بصورة أوسع على التراث الثقافي الكوري والتجارب الفنية المعاصرة في كوريا الجنوبية.
ورغم أن التعاون المؤسسي المحتمل مع الجهات السعودية لا يزال في مرحلة استكشاف الفرص، فإن اهتمام المركز المتزايد بغرب آسيا يعكس توجهه نحو بناء علاقات ثقافية أوسع مع دول المنطقة.
ومع استمرار تطوير برامجه المتحفية ومبادراته الدولية، يتطلع المركز الوطني للثقافة الآسيوية إلى أن يكون منصة لتعزيز الحوار الثقافي بين شرق آسيا وغربها.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، قد يمثل هذا التوجه فرصة جديدة لإبراز هويتها الثقافية وتراثها الحضاري ومنجزاتها الإبداعية لدى الجمهور الكوري، بما يسهم في تعزيز التفاهم الثقافي وتوسيع آفاق التعاون بين البلدين خلال السنوات المقبلة.




