الحرس الثوري الإيراني تحت الإدانة الدولية..

الحرس الثوري الإيراني تحت الإدانة الدولية..
من فيرفورد إلى هرمز وباب المندب.
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية.
الثلاثاء الموافق ( 13 ) أكتوبر ( 2026 )م.
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية.
( حين تتسع دائرة الاعتراض الدولي على التدخلات الإيرانية والتهديدات التي تستهدف أمن الملاحة، وتتلاقى مواقف عشرات الدول دفاعا عن القانون الدولي، فإن سياسات التهديد والابتزاز تواجه تحديات استراتيجية تتجاوز حدود القوة العسكرية. )
شهد يوم الاثنين الموافق ( 12 ) أكتوبر ( 2026 )م موقفين دوليين مهمين، يحملان دلالات سياسية وأمنية تتصل بأنشطة النظام الإيراني والحرس الثوري الإيراني، وأمن الممرات البحرية الدولية، وانعكاساتها على اليمن والمنطقة.
التطور الأول: بيان دولي بشأن الأنشطة الإيرانية.
أصدرت وزارة الخارجية البريطانية بيانا مشتركا بشأن إيران، أيده وزراء خارجية ( 29 ) دولة، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا وإسبانيا.
وقد أدانت الدول الموقعة الأنشطة العدائية المنسوبة إلى إيران، بما فيها التخطيط لعمليات قتل وتخريب وهجمات إلكترونية، وأيدت التقييم البريطاني الذي نسب إلى إيران مسؤولية حادث قاعدة فيرفورد الجوية بتاريخ ( 27 ) سبتمبر الماضي. كما أيدت الدول الموقعة التقييم البريطاني بشأن الحادث، فيما خلصت لندن إلى أنه يكشف استمرار استعداد الحرس الثوري الإيراني لتنفيذ أنشطة عدائية خارج حدود إيران عبر شبكات سرية وجهات تعمل بالوكالة.
ولم يقتصر الموقف البريطاني على الإدانة السياسية، فقد أعلنت لندن فرض عقوبات على شخصيتين إيرانيتين، من بينهما روح الله بازغندي، رئيس عمليات مكافحة التجسس في الحرس الثوري الإيراني، شملت تجميد الأصول وحظر السفر والمنع من إدارة الشركات. كما استدعت السفير الإيراني احتجاجا على الأنشطة العدائية المنسوبة إلى طهران، في خطوة تعكس انتقال الاعتراض الدبلوماسي إلى إجراءات عقابية ملموسة.
التطور الثاني: تعهد دولي بشأن حرية الملاحة.
أعلنت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس تعهدا دوليا بعنوان ( الحفاظ على سلامة القانون الدولي للبحار.. لا رسوم ولا إتاوات عبور )، أيدته ( 60 ) دولة، بينها دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون و( 33 ) دولة أخرى.
وشملت قائمة الدول المؤيدة المملكة المتحدة واليابان وكندا وأستراليا والبحرين وسلطنة عمان والأردن واليمن وموريتانيا وقيرغيزستان وتركمانستان، في تأكيد دولي على رفض فرض الرسوم والقيود غير القانونية التي تعوق حرية الملاحة في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
وتبرز أهمية هذا التعهد بالنسبة إلى مضيق هرمز وباب المندب، باعتبارهما شريانين حيويين للطاقة والتجارة العالمية. ويؤكد التعهد حماية حقوق الملاحة والعبور وفقا للقانون الدولي، ورفض فرض أي رسوم أو قيود على المرور تتعارض مع أحكامه، دون أن يمثل إدانة مستقلة لإيران.
أما المملكة العربية السعودية، فقد أكدت مواقفها الدبلوماسية المعلنة أهمية احترام القانون الدولي وضمان أمن الملاحة البحرية.
وقد تجلى ذلك في انضمامها إلى البيان المشترك الصادر عن القمة الدولية بشأن مضيق هرمز، التي عقدت في باريس بتاريخ ( 17 ) أبريل ( 2026 )م، برئاسة فرنسية بريطانية مشتركة، تأكيدا لأهمية حرية الملاحة وحماية أمن الطاقة والتجارة الدولية.
وبرأيي، فإن ما حمله البيانان من تأكيد على احترام سيادة الدول، والتصدي للأنشطة العدائية العابرة للحدود، وصون حرية الملاحة الدولية، يمثل توجها دبلوماسيا جديرا بالتقدير، غير أن قيمته الاستراتيجية الحقيقية تتوقف على ترجمته إلى التزامات وإجراءات عملية تحمي الممرات البحرية وتعزز احترام القانون الدولي.
وتكتسب هذه المبادئ أهمية مضاعفة بالنسبة إلى اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، حيث ترتبط التهديدات للملاحة الدولية باستمرار الصراع اليمني والتدخلات الخارجية فيه.
أما اليمن الشقيق، فيمثل أحد أبرز ميادين التدخل الإيراني المسلح.
فقد وثقت تقارير دولية الدعم العسكري والتقني الذي قدمته طهران إلى عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة، عبر شبكات تهريب الأسلحة ونقل الخبرات والتدريب المرتبط بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، فضلا عن الدور المنسوب إلى عناصر فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في تقديم المشورة العسكرية.
وبرأيي، فإن الحرس الثوري الإيراني يمثل أحد أهم مصادر الدعم الخارجي للقدرة العسكرية الحوثية، وقد أسهم هذا الدعم في توسيع نطاق التهديد إلى البحر الأحمر وباب المندب ودول المنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة سيطرته المباشرة على جميع قرارات الحوثيين وعملياتهم.
إن أخطر ما في التدخل الإيراني ليس مجرد تهريب السلاح إلى الحوثيين، وإنما السعي إلى تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة تهديد عابرة للحدود، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للحرس الثوري على حساب سيادة اليمن وأمن شعبه.
وقد جسدت القوات المسلحة اليمنية والقوات المشاركة في دعم الشرعية، بما قدمته من تضحيات جسيمة وصمود مشرف، إرادة وطنية راسخة في الدفاع عن سيادة اليمن واستعادة مؤسساته الشرعية، رغم تعقيدات الميدان وطول أمد المواجهة.
وتظل أهمية هذه التضحيات والجهود العسكرية مرتبطة بقدرتها على استعادة المبادأة، وتثبيت المكاسب الميدانية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لاستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وسيادتها الكاملة، بما يضمن أن تتحول النجاحات العسكرية إلى مكاسب وطنية مستدامة.
ولا تنفصل هذه السياسات عن التدخلات الإيرانية الهجومية التخريبية في العراق ولبنان وسوريا، وما ارتبط بها من دعم جماعات مسلحة وإضعاف سلطة المؤسسات الوطنية.
وختاما، فإن النظام الإيراني قد يستطيع تصدير السلاح والأزمات عبر أذرعه الإرهابية المسلحة، لكنه لا يستطيع تصدير الشرعية أو شراء احترام الشعوب. ولن تتحول الممرات البحرية الدولية إلى ملكية خاصة لنفوذه العسكري، فسيادة الدول وحرية الملاحة وحقوق الشعوب ثوابت لا تخضع للابتزاز.
ومن يزرع الأزمات خارج حدوده قد يجد نفسه محاصرا بعواقبها السياسية والاستراتيجية.

