الحرب تتغير …

الحرب تتغير …
من ضغط الجبهات إلى تفكيك القدرة الحوثية .
رؤية تحليلية عسكرية .
الاثنين الموافق ( 5 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
سورة آل عمران / الآية الكريمة رقم ( 160 ) .
النصر لا يولد ساعة دخول المدن ؛ بل تبدأ صناعته قبل ذلك بكثير ، يوم تستعيد القوات ثقتها بقدرتها ، ويثبت المقاتل في موقعه ، وتتماسك القيادة ، وتستمر المبادأة ، ويتحول النجاح التكتيكي إلى زخم عملياتي متراكم يقود إلى الغاية الاستراتيجية .
ولهذا فإن قراءة العمليات اليمنية اليوم ينبغي ألا تتوقف عند عدد المواقع التي تتقدم فيها القوات المسلحة اليمنية أو تتراجع عنها عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة . فالحرب في أحد أبعادها الحاسمة صراع إرادات بقدر ما هي صراع على الأرض والقدرة والمبادأة .
والسؤال العسكري الأهم أصبح :
من يحتفظ بالمبادأة ؟ ومن يفرض إيقاع العمليات ؟ ومن يجبر الآخر على توزيع قواته واحتياطاته تحت الضغط ؟
ثم يأتي السؤال الأكبر :
هل بدأت العمليات تنتقل من قتال الحوثيين على الجبهات إلى تفكيك قدرتهم على مواصلة الحرب ؟
إن إعلان القيادة اليمنية بدء تنفيذ خطط معركة التحرير على محاور صعدة والجوف وتعز والساحل يمثل انتقالا من مرحلة التهيئة إلى مرحلة العمل العسكري الأوسع . وعندما يقترن ذلك بتأكيد المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي استمرار الدعم العملياتي الكامل للقوات المسلحة اليمنية حتى إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة ومؤسساتها ، فإن الغاية السياسية والجهد العسكري يقتربان من هدف استراتيجي واضح .
وهنا تتقدم القوات المسلحة اليمنية إلى واجهة المسؤولية الوطنية والعسكرية ، باعتبارها المؤسسة العسكرية التي تحمل عبء استعادة الدولة وأرضها ومؤسساتها . وهذا في ذاته يعزز الإرادة القتالية ؛ فالمقاتل الذي يعرف غاية قتاله ، ويثق بقيادته ورفاقه ، ويدرك أن خلفه دولة وشعبا وإسنادا عملياتيا ، يمتلك أحد أعظم عناصر القوة في الحروب الطويلة : المعنويات .
أما ميدانيا ، فتعز تبقى عقدة عملياتية مهمة وميدانا شديد التعقيد . والتطور الذي يستحق المراقبة الفورية يتمركز على محور التربة ـ الصافية ـ طريق تعز/عدن ، حيث تتضارب المعلومات حول حدود الاختراق الذي حققته عناصر من عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ، ومدى استقرار السيطرة على بعض المواقع والطريق الحيوي ، في مقابل معلومات عن تطويق القوة المتسللة وإعادة فتح الطريق .
ولهذا لا يصح استباق نتيجة معركة ما زالت متحركة ، ولا إعلان سقوط التربة أو استقرار السيطرة على الطريق قبل ثبوت ذلك ميدانيا بصورة موثوقة .
لكن أهمية التطور لا يجوز التقليل منها ؛ لأن القضية هنا تتجاوز السيطرة على موضع إلى أمن خطوط الإمداد والحركة جنوب تعز . فإذا استطاعت عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة تثبيت اختراقها وقطع الطريق واستثماره ، فإنها تكون قد حققت نجاحا عملياتيا مهما . أما إذا نجحت القوات المسلحة اليمنية في تطويق القوة المتسللة ، وإعادة فتح الطريق وتأمينه ، ومنع الحوثيين من تعزيز اختراقهم ، فستكون قد نجحت في امتصاص الاختراق ومنع الخصم من استثمار نجاحه التكتيكي .
فالاختراق التكتيكي لا يصبح نجاحا عملياتيا إلا إذا استطاع الخصم استثماره وتوسيعه والمحافظة عليه .
وفي الاتجاه الآخر ، سجل محور ذوباب ـ باب المندب تطورا ميدانيا مهما ؛ إذ أفادت مصادر عسكرية وتقارير ميدانية متعددة باستعادة قوات العمالقة ودرع الوطن السيطرة على ذوباب ، بعد قتال على المحور وعمليات استهدفت خطوط إمداد عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ، بالتزامن مع تقارير عن وصول القوات إلى تخوم منطقة باب المندب .
ومع أن تعدد المصادر يرفع درجة الثقة في خبر استعادة ذوباب ، فإن اكتمال النجاح العملياتي لا يقاس بمجرد دخول المدينة ؛ بل بقدرة القوات على تثبيت السيطرة ، وتأمين المداخل ، وصد الهجمات المعاكسة ، وقطع خطوط الإمداد الحوثية ، ومنع العصابة من إعادة تجميع قواتها ومحاولة استعادة ما فقدته .
وهنا تكمن قيمة ذوباب العملياتية .
فإذا استقرت السيطرة عليها ، واستمر الضغط على خطوط الإمداد الحوثية ، فإن التطور يتجاوز استعادة موضع على الخريطة إلى عكس مكسب حوثي سابق ، وعزل قوات العصابة على هذا المحور ، وحرمانها تدريجيا من حرية المناورة والإمداد والتعزيز .
فقطع الإمداد يسبق عزل القوة ، وعزل القوة يسبق إضعاف قدرتها على المناورة والاحتفاظ بالأرض .
وتزداد أهمية هذا التطور لأن باب المندب ليس مجرد جبهة برية ؛ بل عقدة جغرافية واستراتيجية شديدة الحساسية . وإذا استطاعت القوات اليمنية تثبيت مواقعها ، وتأمين الأرض المستعادة ، والمحافظة على زخم الهجوم ، فإن الضغط الساحلي يبدأ بالانتقال من قتال على الأرض إلى عزل واستنزاف لمنظومة الخصم القتالية .
وعند جمع تعز والتربة والصافية مع ذوباب وباب المندب ، ثم صعدة والجوف ، تظهر أمام قيادة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة معضلة عملياتية متزايدة :
أين يدفع الاحتياط ؟ وأي محور يعزز ؟ وأين يضع جهده الرئيسي ؟ وأي خط إمداد يؤمن أولا ؟ وكيف يحافظ على حرية المناورة إذا أصبح مطالبا بمواجهة الضغط في أكثر من اتجاه ؟
وهنا تنتقل المعركة من استنزاف القوة الحوثية على الجبهات إلى محاولة تفكيك منظومتها القتالية نفسها ؛ بعزل القوات ، وقطع الإمداد ، وتشتيت الاحتياط ، والضغط على القيادة والسيطرة والاتصالات ، وإضعاف فاعلية الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة والإنذار المبكر واكتساب الأهداف ، والضغط على منظومات الإسناد والتعزيز ، وتقييد حرية المناورة ، ثم انتزاع المبادأة .
وهذا هو جوهر التحول الذي ينبغي مراقبته .
فالحرب لا تحسم فقط بتدمير القوة الموجودة في الخطوط الأمامية ؛ بل عندما تصبح منظومة الخصم القتالية كلها تحت الضغط : القيادة والسيطرة ، والاتصالات ، والاستخبارات ، والاستطلاع والمراقبة واكتساب الأهداف ، والإنذار المبكر ، والإمداد والتموين ، والاحتياط ، والتعزيز ، والنقل والحركة ، والدفاع الجوي ، والمناورة ، والقدرة على إعادة التنظيم واستدامة القتال .
والترابط بين هذه العناصر هو مكمن القوة ومكمن الضعف في آن واحد ؛ لأن تعطل عنصر واحد قد يمكن تعويضه ، أما تزامن الضغط على القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والاستطلاع والإنذار المبكر والإمداد والاحتياط ، فيبدأ بإبطاء دورة القرار نفسها ؛ من اكتشاف التهديد وجمع المعلومات وتقدير الموقف ، إلى اتخاذ القرار وإصدار الأوامر ونقلها ، ثم تحريك القوة وإسنادها في الوقت والمكان المناسبين .
وكلما اتسعت هذه المعضلة ، تقل حرية الخصم في المناورة ، ويتشتت احتياطه ، ويزداد زمن رد فعله ، وتتعقد قدرته على إعادة التجميع والتعزيز ، وتزداد صعوبة المحافظة على تماسك الجبهات ، وتتهيأ الظروف العملياتية لانتزاع المبادأة منه تدريجيا .
وفي المقابل ، تدخل القوات المسلحة اليمنية هذه المرحلة وهي تحمل رصيدا مهما ؛ سنوات من الخبرة القتالية ، ومعرفة الأرض والخصم ، وتحمل الاستنزاف ، والقدرة على البقاء في الميدان رغم طول الحرب .
ومن منظور عسكري ، فإن القوة التي مرت بكل تلك السنوات وبقيت متماسكة وقادرة على القتال ليست قوة تبحث عن إرادة القتال ؛ بل قوة أثبتت أن إرادتها القتالية لم تنكسر .
وفي هذا المعنى يأتي قول الله تعالى :
﴿ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
سورة الأنفال / الآية الكريمة رقم ( 45 ) .
فالثبات ليس قيمة معنوية مجردة ؛ بل عنصر من عناصر القوة القتالية . فمعنويات الجيوش قوة ، والثقة بالنفس قوة ، والتماسك والانضباط ووحدة القيادة عناصر لا تقل أهمية عن كثير من الحسابات المادية عندما تقترن بهدف واضح واستمرار الضغط على الخصم .
ومن موقع القراءة العسكرية المحايدة ، فإن رفع معنويات المقاتل لا يكون بتجميل الواقع ، بل بأن يرى في واقعه ما يستحق الثقة . وفي صمود القوات المسلحة اليمنية وخبرتها وإرادتها القتالية ما يستحق أن يقرأ بثقة ، دون مبالغة أو استباق لنتائج الميدان .
وفي الوقت نفسه ، فإن الثقة لا تعني الاستهانة بالخصم . فعصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ما زالت تمتلك السلاح والخبرة والقدرة على المناورة وإعادة تجميع قواتها وصناعة اختراقات موضعية ، والحرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد .
ولهذا تبقى القاعدة واضحة :
لا مبالغة في نصر لم يكتمل ، ولا تقليل من قيمة نصر تصنع مقدماته عزائم الرجال في الميدان .
إن معيار النجاح العملياتي في هذه المرحلة لا يقاس باستعادة موقع منفرد ؛ بل بقدرة العمليات المتزامنة على إضعاف منظومة الخصم القتالية ومنعه من استعادة توازنه . وهذا يتطلب المحافظة على وحدة القيادة ، وأمن العمليات ، واستدامة الإمداد ، وتثبيت الخصم ، وحرمانه من إعادة التنظيم والمناورة ، والمحافظة على زخم العمليات ، ثم استثمار النجاح في الوقت والمكان المناسبين .
وإذا استمر تماسك القوات المسلحة اليمنية ونجحت في توسيع زخم عملياتها والمحافظة عليه عبر الجبهات ، فإن الضغط على عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة لن يقاس بما تخسره من أرض فقط ؛ بل بما تفقده تدريجيا من كفاءة القيادة والسيطرة والاتصالات ، وفاعلية الاستخبارات والاستطلاع والإنذار المبكر واكتساب الأهداف ، وحرية المناورة ، وسلامة الإمداد ، وفاعلية الاحتياط ، والقدرة القتالية ، ثم المبادأة .
وعندما يفقد الخصم المبادأة يبدأ ميزان الحرب بالتغير ؛ فلا يعود يختار بسهولة أين يقاتل ، ولا متى يقاتل ، ولا بالقوة التي يريدها ، بل يتحول تدريجيا من فرض الفعل إلى محاولة احتواء نتائجه .
وهنا تبدأ ملامح النصر قبل اكتمال النصر .
فالمدن تستعاد عندما تنضج شروط الحسم ، أما الهزيمة العسكرية فتبدأ قبل سقوطها ؛ حين تتراجع قدرة الخصم على الرؤية والفهم والاتصال واتخاذ القرار والاستجابة ، ويفقد حرية المناورة ، ويضطرب احتياطه ، وتتآكل قدرته القتالية ، ثم تنتزع منه المبادأة ، فلا يعود يقود المعركة بل تجره المعركة إلى حيث لا يريد .
وهنا يتضح معنى تغير الحرب : فالمعركة لم تعد فقط على موضع ينتقل من يد إلى أخرى ؛ بل على قدرة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة نفسها على القيادة والسيطرة والاتصال ، وجمع المعلومات والاستخبارات والاستطلاع والمراقبة والإنذار المبكر واكتساب الأهداف ، وتأمين الإمداد والتعزيز ، وتحريك الاحتياط ، والمحافظة على حرية المناورة ، وإعادة التنظيم ، ومواصلة القتال . فإذا بدأت هذه المنظومة بالتآكل ، أصبح فقدان الأرض نتيجة لاحقة لفقدان القدرة ، لا مجرد حدث منفصل على خريطة الجبهة .
وإذا كانت حسابات الحرب تقرأ بالأرض والقوة والمبادأة والإمداد والإرادة ؛ فإن قلب المؤمن يبقى معلقا بما هو أعظم من الحساب كله :
﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .
سورة آل عمران / الآية الكريمة رقم ( 126 ) .
