كُتاب الرأي

حين تكون الحكمة أبلغ من الكلام

حين تكون الحكمة أبلغ من الكلام

بدر بن سالم 

قبل ثلاثين عامًا، كنت طالبًا في المرحلة الثانوية، وكان شيخي وإمام حارتنا الشيخ عبدالله السويلم، رحمه الله تعالى. كنت أحب النقاش معه، وأسأله عمّا يشغل ذهني، فكان عالمًا ربانيًا يعلّمك صغار العلم قبل كباره، ويغرس فيك المعنى قبل أن يجيبك عن السؤال.
سألته يومًا عن لقمان الحكيم، وعن الحكمة والنبوة، فكان جوابه، كما أذكره: النبوة أعلى من الحكمة، ولو كانت النبوة موضع شك لما استقام هذا المعنى. بقي ذلك الحوار في ذاكرتي، ومضت الأعوام، حتى أدركت أن بعض الدروس لا نفهم عمقها إلا حين تختبرنا الحياة.
تعلمت أن الحكمة ليست في أن تنتصر لنفسك في كل موقف، ولا أن ترد على كل كلمة، ولا أن تجعل من كل خلاف معركة لا تنتهي. أحيانًا يكون ترك الأمر لله أبلغ من الانتقام، ويكون العفو راحة للقلب، ونجاة من عداوة قد تطول، وليالٍ يسرق فيها الغضب نوم الإنسان وطمأنينته.
وقد مررت بمواقف كان بإمكاني أن أرد فيها الإساءة بمثلها، لكنني آثرت أن أترك الأمر لله، مستحضرًا ما جاء في حديث أبي ضمضم رضي الله عنه، فيمن يتصدق بعرضه على الناس. فليس كل حق نترك المطالبة به ضعفًا، ولا كل صمت عجزًا؛ فهناك مواقف يكون فيها حفظ النفس من الضغينة أعظم من لذة الانتصار العابر.
ولعل هذه المعاني هي ما جعلني أتأمل في مواقف سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله.
لقد شهدنا في مراحل مختلفة اتهامات وانتقادات ومطالبات سياسية، وكان في بعض المواقف صمتٌ أثار الأسئلة، ثم مضت الأيام وتكشفت أمور وظهرت مواقف. وهنا أدركت أن السياسة ليست ساحةً يُقاس فيها كل شيء بسرعة الرد، وأن القيادة لا تعني أن تجيب عن كل صوت، بل أن تعرف متى تتحدث، ومتى تدع الأفعال والنتائج تتحدث عنها.
ولست أقول إن الصمت حكمة في كل الأحوال، فهناك مواضع يكون فيها البيان واجبًا، والحق أحق أن يُقال. لكن الحكمة الحقيقية أن يميّز المرء بين مقام يحتاج إلى كلمة، ومقام يكون فيه التريث أرجح، وبين معركة تستحق خوضها، وأخرى لا تستحق أن تمنحها من وقتك وطمأنينتك شيئًا.
ومن هنا، حين أنظر إلى ولي العهد، أرى في ثباته وثقته وطموحه ما يدعوني إلى التأمل والاعتزاز. وأرى أن القوة ليست في الشدة وحدها، كما أن اللين ليس ضعفًا؛ إنما الشأن كله في معرفة موضع كل منهما، وفي أن تقترن الثقة بالعمل، والطموح بالبصيرة، والقرار بتحمل المسؤولية.
وأتساءل: أهناك سعودي لا يعتز بقيادته، ولا يفرح بما يراه من طموح وطنه وحضوره؟ إن محبتنا لوطننا وقيادته ليست صورةً نعلّقها على الجدران فحسب، بل انتماء نترجمه بالعمل، وصدق الولاء، والحرص على أن نمضي بهذا الوطن إلى المكانة التي يستحقها.
وأنا، حين أتحدث عن ولي العهد أمام ابني فهد، لا أريد أن أعلّمه المحبة بالكلمات وحدها، بل أريد أن أزرع فيه الاعتزاز بوطنه، وأن يفهم أن القيادة مسؤولية وعمل، وأن الأوطان لا تنهض بالأمنيات، وإنما بالعزيمة والتخطيط والصبر.
لقد علّمني شيخي، قبل ثلاثين عامًا، أن العلم يبدأ من السؤال، وأن الحكمة تحتاج إلى عقل يتأمل ولا يتعجل. وعلّمتني الحياة أن الإنسان قد يربح حين يعفو، ويعلو حين يتواضع، ويحفظ كرامته حين لا يسمح لكل إساءة أن تستدرجه إلى معركة.
ولعل أعظم ما في الحكمة أن يعرف الإنسان قدر الكلمة، وقدر الصمت، وقدر اللحظة التي ينبغي أن يتحرك فيها.
حفظ الله سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأمده بالصحة والعافية، ووفقه لما فيه خير البلاد والعباد، وأدام على وطننا أمنه واستقراره وازدهاره.
فليست الحكمة أن تكون كثير الكلام، ولا أن تكون قليل الكلام على الدوام؛ بل أن تقول ما ينبغي حين ينبغي، وأن تعمل حين يكون العمل أبلغ من القول.
فبعض المواقف لا تحتاج إلى صوتٍ أعلى، بل إلى بصيرةٍ أعمق، وبعض الإجابات لا تأتي في لحظتها، وإنما تكتبها الأيام.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.