كُتاب الرأي
منصور الرحمة

منصور الرحمة
الإنسان الذي بقي في الذاكرة
بدر بن سالم
حين يرحل الإنسان، تتعدد الأشياء التي تُقال عنه. تُستعاد سيرته، وتُحكى مواقفه، ويبحث الناس في أرشيف العمر عن صوره وأخباره.
لكن بعض الناس لا تحتاج أن تبحث عنهم في الأرشيف؛ يكفيك منهم جلسة عابرة، وضحكة، وموقف صغير يبقى في القلب.
عرفت منصور الرحمة لاعبًا للهلال، وعرفه اسمه كثيرون، لكن ما سأكتبه اليوم ليس عن اللاعب الذي عرفته المدرجات، بل عن الإنسان الذي عرفته في المجالس.
بدأت معرفتي به من خلال ابنته عنود، التي زاملت أختي أمل في الجامعة. ومع الأيام لم تعد العلاقة مجرد زمالة بين بنتين، بل ارتبطت الأسرتان، وصرنا نلتقي في الاستراحات واللقاءات العائلية والمناسبات.
كان يأتي ببساطته.
لم يكن تشعر أنه يدخل مجلسًا وهو يحمل معه شهرته، أو أنه ينتظر من الناس معاملة مختلفة لأنه لاعب معروف. كان واحدًا من الناس، ولذلك أحبه الناس.
إذا حضر عزيمة، لم يكن من أولئك الذين يدققون في الطعام: ماذا قُدّم؟ ومن أي مطعم؟ ولم يكن ينتقد القهوة أو المجلس أو صاحب المكان.
كان يريد شيئًا واحدًا: أن ينبسط، ويضحك، ويجعل من حوله يضحكون.
وإذا وجد في المجلس أحدًا يمزح كثيرًا، دخل معه في المزاح وضحك معه. وأذكر أنه كان إذا وجد من يشجع نادي النصر، مازحه قائلًا: «كم كان ماجد عبدالله يسحب فينا!»
فتتحول الجلسة إلى شيء آخر.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعلني اليوم أتوقف طويلًا أمام رحيله؛ لأن الإنسان لا يبقى في ذاكرتنا بما ملك، ولا بما قيل عنه، وإنما بما تركه في نفوسنا وهو بيننا.
ومنصور الرحمة كان يترك في المكان روحًا مريحة، روحًا تجذب الناس إليها دون تكلف ولا تصنع، ودون أن تشعر للحظة أن شهرته تفصله عن الناس.
وأذكر يوم وفاة والدي، حين جاء إلى مسجد الملك خالد ليعزيني ويسلّي على فقد والدي. كان ذلك الموقف من المواقف التي بقيت في ذاكرتي، وزاد تقديري له؛ فبعض المواقف لا تحتاج إلى كلمات كثيرة، يكفي حضور صاحبها لتعرف معدنه.
اليوم، وأنا أكتب عن رحيله، لا أستطيع أن أفصل اللاعب عن الإنسان؛ فقد عرفه الناس في الملاعب، وعرفته أنا في المجالس.
رحم الله العم منصور الرحمة رحمة واسعة، وغفر له، وجبر مصاب أهله وزوجته أم عبدالإله، وابنه عبدالله، وعبدالاله وابنته عنود، وكل أسرته ومحبيه.
ورحم الله أبي و يجمعني به في يوم من الأيام بفردوس الاعلى ، ورحم موتى المسلمين أجمعين.
بعض الناس يغيبون عن المجالس، لكن أرواحهم لا تغيب عنها.
