كُتاب الرأينحن طويق

رسالة صمود: طموحٌ يعلو مع الغمام

رسالة صمود: طموحٌ يعلو مع الغمام

بدر بن سالم 

رآني زميلي فيصل طه في غمرة العمل، وأنا أواجه ضغوط الأقسام المتعددة وبطء الإجراءات التي تستنزف الوقت والجهد، فلاحظ ملامح التعب على وجهي، وبقايا ضيق لم أكن منشغلاً بإظهاره، ثم قال لي مشجعاً:
«لا تتغير يا بدر، فأنت تكتب، ولديك روايتان، وقدّمت للمجتمع شيئاً من فكرك وأدبك، فأنت صانع قوة ورمز لعدم الاستسلام».
كانت كلماته أكبر من مجرد مجاملة عابرة؛ فقد أعادتني إلى حقيقة أن الإنسان لا يُختزل في وظيفته، ولا ينبغي أن تبتلع مسؤوليات يومه هويته وما بناه من طموحات.
فأجبته بعزة الواثق:
«لا أزال يا فيصل صاحب طموح يتعالى مع الغمام، وما زلت أؤمن أن لدي الكثير لأقدمه. قد أتعب في عملي، وقد تضيق بي بعض الظروف، لكنني لا أسمح للتعب أن يصادر رسالتي، ولا للعثرات أن تقنعني بالتراجع. فأنا ممن يؤمنون بأن الانحناء للعقبات ليس قدراً محتوماً، وأن المرء قد يتعثر في مساره، لكنه لا ينبغي أن يتخلى عن وجهته».
فالعظماء لم يبلغوا منازلهم بالمصادفة، ولم تُفرش لهم طرق المجد بالورود؛ وإنما عبروا جسوراً من المشقة، وواجهوا من المحن ما كان كفيلاً بإيقاف كثيرين غيرهم. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين تمنوا المجد بقدر ما يحفظ أسماء الذين دفعوا ثمنه.
تأمل سيرة الإمام أحمد بن حنبل، حين وقف ثابتاً في محنة خلق القرآن، وتحمل الضرب والحبس ولم يتخلَّ عما يعتقده حقاً. وتأمل شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي لم تمنعه قضبان السجون من مواصلة التأليف والتعليم، حتى غدا سجنه مرحلة من مراحل حضوره العلمي. وكذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب، الذي واجه مشقة الرحلة ووعورة الطريق ومخاطر الدعوة، ومضى في مشروعه الإصلاحي رغم ما أحاط به من معارضة ومخاطر.
تلك ليست سيراً تُروى لمجرد الإعجاب بأصحابها، وإنما شواهد على أن الرسائل الكبيرة لا تُقاس براحة أصحابها، بل بمقدار ما يبذلونه في سبيلها.
واستحضرت كذلك سيرة مهندس الكلمة، الأمير بدر بن عبد المحسن، رحمه الله، وما يُروى عن أمسيته الأولى في جدة، حين طلب من الحضور ألا يصفقوا له، وكأنه كان يريد أن يترك الحكم للزمن ولما سيقدمه من شعر. ثم مضت السنوات، وعاد التصفيق في أمسياته تعبيراً عن محبة جمهور عرف تجربته وتذوق إبداعه.
ولعل العبرة هنا أن التصفيق الحقيقي لا يُستجدى في البدايات، بل تصنعه رحلة طويلة من العطاء.
وهكذا كان المتنبي، الذي لم يكن يرى في الشعر مجرد نظم للكلمات، بل منزلةً يعتد بها ويطالب لها بالتقدير. كان شديد الاعتداد بموهبته، عزيز النفس، لا يتردد في إعلان مكانته، حتى ترك لنا من شعره ما أصبح شاهداً على طموح شاعر لم يرضَ لنفسه منزلة دون ما يعتقد أنه يستحقه.
وليس الاعتداد بالنفس غروراً بالضرورة؛ فقد يكون معرفة الإنسان بقيمة ما يحمل من موهبة، وإدراكه أن التفريط فيها خيانة لرسالته. غير أن الاعتداد الحقيقي لا ترفعه المبالغة في الحديث عن الذات، وإنما ترفعه الأعمال التي تترك أثرها بعد غياب صاحبها.
ومن عالم الأدب إلى عالم الصناعة، تطالعنا سيرة الإيطالي إنزو فيراري، الذي عرف الفقد مبكراً بوفاة والده وشقيقه، ثم عانى المرض، وعاد إلى الحياة العملية في ظروف لم تكن مهيأة لتحقيق أحلامه. بدأ مسيرته المهنية في عالم السيارات، وعمل سائقاً ومتسابقاً، ثم انتقل إلى الإدارة وصناعة السيارات الرياضية، حتى أسس اسماً أصبح من أشهر الأسماء في تاريخ الصناعة الإيطالية.
لم تكن فيراري مجرد سيارة تحمل شعار الحصان الجامح، بل كانت ثمرة سنوات من الإصرار والعمل والمنافسة.
وهنا تتجلى حقيقة تستحق التأمل: إن الاسم لا يصنعه صاحبه بمجرد أن يعلنه، وإنما تصنعه الأيام حين يجد الناس في أعماله ما يستحق أن يبقى.
أما أنا، فأكتب اليوم هذه الكلمات لا لأعلن بطولة شخصية، ولا لأطلب شهادة إعجاب من أحد، وإنما لأذكر نفسي قبل غيري بأن للإنسان رسالة ينبغي ألا يتخلى عنها كلما أثقلته الحياة.
أنا بدر بن سالم؛ لست فاحش الثراء، ولا أدّعي أنني بلغت من العلم والبيان غايتهما، لكنني أملك ما أراه أعظم من كثير من المكاسب: إيماناً برب عظيم، وطموحاً لم يخمد، وشغفاً بالقراءة والمعرفة، ورسالة أدبية أحملها بين أضلعي، وأرجو أن أترك من خلالها أثراً يستحق أن يُقرأ.
لي تجربتي في الكتابة، ولي روايتان خرجتا من عزلتي إلى القراء، ولي محاولاتي التي لم تبلغ بعد ما أطمح إليه. وأدرك أن الطريق أطول من أن تختصره تجربة، وأن صناعة الاسم لا تتحقق بكتاب أو مقال أو ظهور عابر، بل بتراكم العطاء، وصدق التجربة، واحترام القارئ، والاستمرار في التعلم.
ولست أريد اسماً يسبق عملي، بل عملاً يسبق اسمي.
وأفخر بانتمائي إلى وطن عظيم جعل الطموح جزءاً من رؤيته، والعمل لغةً لمستقبله. وأستحضر في هذا المقام مقولة سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حين شبّه همة الشعب السعودي بجبل طويق؛ ذلك الجبل الذي أصبح رمزاً للعزيمة التي لا تنكسر أمام الصعاب.
إنني لا أريد أن أكون مجرد عابر في مشهد الحياة، ولا أن أكتفي بما تحقق لي، فما زال في العمر متسع للتعلم والكتابة، وفي الفكر مساحات لم تُستكشف، وفي النفس رغبة في أن تقدم شيئاً يليق بالإنسان الذي يحلم، والوطن الذي ينتمي إليه.
فيا فيصل، ويا كل من يقرأ هذه الكلمات: قد تتغير ملامحنا من التعب، وقد تخذلنا الظروف، وقد تتأخر النتائج، لكن لا ينبغي أن تتغير وجهتنا ما دامت رسالتنا تستحق الوصول.
لا أقيس طموحي بما أملك اليوم، ولا أزن مستقبلي بما فاتني بالأمس؛ إنما أقيسه بما أستطيع أن أقدمه غداً.
اصنع اسمك بالعمل، لا بالادعاء؛ وبالأثر، لا بالصدى. فالسنون تطوي الوجوه، لكنها لا تطوي كل ما صنعته الأيدي، ولا كل ما تركته الأقلام الصادقة.
وسأظل أكتب، وأتعلم، وأسعى، وأحمل طموحي عالياً؛ فليس المجد أن تبلغ القمة فحسب، بل أن تظل جديراً بالطريق إليها.
أنا لا أبحث عن تصفيق البدايات، بل أعمل لأستحق تقدير النهايات.

كاتب رأي 

#نحن_طويق

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.