كُتاب الرأي

حين تعلّمك المخالفات

حين تعلّمك المخالفات

ما لم تعلّمك إياه الحياة

بدر بن سالم 

حين أكتب، فلست منزهًا عن الأخطاء، ولا قليل المخالفات؛ حتى إن في سجلي مخالفة لدى الأحوال المدنية.
فهل أنا رجل لا يراعي الانضباط، أم أنني أعشق الأخطاء؟ أم أنني، في كثير من الأحيان، أجهل ما تقوله الأنظمة، ثم لا أتعلم إلا حين أدفع الثمن؟
الحقيقة أن بعض الأخطاء لا نرتكبها عنادًا، بل جهلًا بعواقبها. لكن الجهل لا يعفينا من نتائجها، كما أن تكرار الخطأ يلزمنا بأن نتوقف ونسأل أنفسنا: أين الخلل؟
حين كتبت رواية مُنعت من النشر، لم أدخل في جدال طويل، ولم أرفع صوتي دفاعًا عنها. جعلتها حبيسة الأدراج، ومضيت.
لم يكن ذلك ضعفًا، ولا اعترافًا بأنني لا أملك الحجة، وإنما لأنني بلغت مرحلة من العمر بدأت أتعلم فيها أن بعض المعارك، حتى لو امتلكت حججها، تستنزف من أعمارنا أكثر مما تمنحنا من المكاسب.
وحين تتأمل وصية حبيبي وسيدي رسول الله محمد ﷺ، تدرك أن الرفق ليس ضعفًا، بل خُلق عظيم، قال فيه:
«إنَّ الرِّفْقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ».
رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.
عندها تفهم أن اللين قد يفتح أبوابًا يعجز عن فتحها الصراخ، وأن الانتصار في كل جدال ليس بالضرورة انتصارًا في الحياة.
وقد قرأت عن أثر العداوات والنزاعات في حياة الناس، وكيف يمكن أن يتحول الخصام المتكرر إلى دائرة من المخاطر والخسائر. فالإنسان الذي يستعدي الجميع قد يجد نفسه يومًا بلا سند، حتى لو كان يظن أنه ينتصر في كل مواجهة.
ولعل من الدروس التي تستحق التأمل ما يُروى عن خلاف الفنان إمينيم مع الراحل مايكل جاكسون، حين سخر إمينيم منه في أحد أعماله المصورة. لكن جاكسون، بدلًا من الدخول في سجال مباشر، اتجه إلى شراء حقوق بعض أعمال إمينيم الموسيقية من خلال شركة النشر التي كانت تملكها، في خطوة ارتبطت بالنزاع بينهما.
ومهما تكن تفاصيل هذه القصة، فإن الدرس الذي أستحضره منها هو أن الرد ليس دائمًا بالصوت المرتفع، وأن امتلاك الخيارات قد يكون أقوى من الانفعال.
وحين أنظر إلى كتبي الحبيسة في الأدراج، وإلى ما كتبت من ردود وأفكار عن المبادرة وكيفية التعامل مع المواقف، أجدني أؤجل إخراج بعضها إلى النور، لا لأنني لا أؤمن بها، بل لأنني أصبحت أكثر حذرًا من المعارك التي قد تفتحها.
وهنا أسأل نفسي: هل هذا نضج، أم أنني بالغت في حساب الخسائر حتى صرت أتراجع عن بعض حقوقي؟
إنها مسألة تحتاج إلى ميزان؛ فليس كل صمت حكمة، وليس كل جدال شجاعة. هناك مواقف يكون فيها السكوت حفظًا للنفس، وأخرى يصبح فيها الكلام ضرورة، والدفاع عن الحق واجبًا.
ولطالما استحضرت ما يُنسب إلى الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله من حديث عن الغضب، حين يُروى عنه أنه قال: «نحن لا نغضب، لا نغضب، لا نغضب، وحين نغضب لا نرضى أبدًا».
وسواء ثبت هذا اللفظ عنه أم لم يثبت، فإن المعنى الذي يستوقفني هو خطورة الغضب حين يتراكم، وحين يتحول من انفعال عابر إلى قرار لا رجعة فيه.
تأمل كم من علاقة أفسدها جدال، وكم من صداقة أضاعها عناد، وكم من إنسان خسر راحته لأنه أراد أن تكون له الكلمة الأخيرة.
أحيانًا، لا تحتاج إلى أن تثبت للآخر أنك على حق؛ يكفي أن تعرف الحق، وأن تختار الطريقة التي تحفظ بها كرامتك وراحة بالك.
دع من يشعل الحرائق يواجه نتائج ما أشعل، ولا تجعل نفسك وقودًا لكل خلاف. ليس مطلوبًا منك أن تدخل كل معركة، ولا أن ترد على كل إساءة، ولا أن تقنع كل إنسان بوجهة نظرك.
لكن لا تخلط بين ترك الجدل والتنازل عن الحق، ولا بين الرفق والسماح للآخرين بتجاوز حدودهم.
أما المخالفات التي ارتكبتها، فقد يكون بعضها ممتعًا لحظتها، لكن المتعة التي لا نحسب عواقبها قد تتحول إلى فاتورة مؤجلة. وحين أردت إنجاز بعض الأمور، وجدتني مضطرًا إلى تسديد ما تراكم عليّ من مخالفات حتى أتمكن من المضي قدمًا.
هناك، تعلمت درسًا لا أنساه: بعض الأخطاء لا تعلّمك حين ترتكبها، بل حين تقف أمام نتائجها، وتدفع ثمنها من مالك ووقتك وراحتك.
لقد علّمتني الحياة أن الانضباط ليس أن تعيش بلا أخطاء، بل أن تتعلم من أخطائك قبل أن تضطر إلى دفع ثمنها مرة أخرى.
وأن الرفق ليس أن تتنازل عن قوتك، بل أن تعرف متى تستخدمها، ومتى يكون ترك الجدل أعظم انتصار.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.