كُتاب الرأي

حين لا يطاوعنا الكون

حين لا يطاوعنا الكون

بدر بن سالم 

في روايته الشهيرة «الخيميائي»، يطرح باولو كويلو مقولته التي ذاعت في الآفاق، حتى غدت أشبه بحكمة يتداولها الحالمون: «عندما تريد شيئاً ما، فإن الكون بأسره يطاوعك على تحقيق رغبتك». وهي عبارة تستوقف القارئ بما تنطوي عليه من جاذبية أدبية، لا لبريق صياغتها وعذوبة إيقاعها فحسب، بل لما تؤسسه من تصور يجعل الرغبة الإنسانية قوةً ميتافيزيقية قادرة على استمالة الوجود، واستنطاق المصادفات، وتطويع مسارات الحياة حتى تنتهي إلى الصورة التي ينشدها صاحبها.
ولعل مكمن سحر هذه المقولة أنها تمنح الإنسان شعوراً استثنائياً بمركزيته في هذا الوجود؛ فيتصور أن العالم، بما يكتنزه من احتمالات وتناقضات، إنما يتحرك في مدارات أحلامه، وأن صدق الرغبة وحده كفيل بأن يستنفر قوى الكون لتلبية مراده. غير أنني أجد في هذا التصور قدراً كبيراً من المبالغة الشاعرية، وربما التضليل حين يُنتزع من سياقه الروائي ويُقدَّم بوصفه قانوناً حتمياً من قوانين الحياة.
فالكون ليس كياناً منصاعاً لنداءات الأفئدة، والأقدار لا تبرم عهودها استجابةً لانفعالاتنا، والحياة ليست مسرحاً تُهيَّأ خشبته للأمنيات، ثم ينحني ستاره إيذاناً بتحققها. إنها واقع تتجاذبه السنن والأسباب، وتتداخل في تشكيله الإرادات والظروف، وتظل فيه مساحة واسعة من المجهول الذي لا يملك الإنسان مفاتيحه، مهما أوتي من طموح أو امتلك من أدوات.
إن كينونة الإنسان لا تستقيم بالارتهان إلى الأوهام، ولا يستطيع العقل المتبصر أن يتخذ من التمني بديلاً عن كلفة السعي، أو ينتظر من تعاقب الأيام أن تهبه ثماراً لم يغرس بذورها. فالرغبة، مهما اتسعت آفاقها في مخيلة صاحبها، تظل طاقة معطلة ما لم تجد في الإرادة ما يوقظها، وفي العمل ما يترجمها إلى واقع. والأحلام التي لا تتكئ على العزم، ولا تتجسد في خطوات عملية، تظل حبيسة الخيال، مهما أجاد أصحابها وصفها، ومهما ألبسوها من بلاغة القول وجمال التصوير.
وقد اختزل أمير الشعراء أحمد شوقي هذه الحقيقة في بيته الذي تجاوز حدود الشعر ليصبح قاعدة من قواعد التجربة الإنسانية:
وَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي
وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا
فالدنيا ليست ميداناً للمجاملة، ولا تمنح امتيازاتها لمن يكتفي بمراقبة الساعين والاحتفاء بانتصاراتهم؛ إنها ميدان مغالبة ومكابدة، لا يستوي فيه من حملته أمانيه إلى عتبة الطريق، ومن امتلك شجاعة السير فيه. وهي لا تختبر رغباتنا بقدر ما تختبر قدرتنا على احتمال مشقة الوصول، وعلى النهوض كلما أعادتنا العثرات إلى نقطة البداية.
وليس السعي مجرد حركة عابرة في اتجاه الغاية، بل هو امتحان لطبيعة الإنسان حين تتعارض إرادته مع الواقع؛ فهناك من يتراجع عند أول إخفاق، وهناك من يعيد قراءة تجربته، ويستدرك مواضع الخلل، ويعيد ترتيب أولوياته، ثم يمضي دون أن يجعل من العثرة حكماً نهائياً على قدرته. فليس الناضج من لا يسقط، وإنما من لا يسمح لسقوطه أن يتحول إلى هوية دائمة.
ومع ذلك، فإن من ضيق الأفق أن نختزل قوة الإنسان في صلابة إرادته وحدها، أو أن نغتر بفكرة مفادها أنه قادر على إخضاع الوجود برمته لبوصلة رغباته. فمهما اتسعت قدرة الإنسان، تظل لها حدود، ومهما أحكم تدبيره، تبقى هناك أبواب لا تُفتح بمفاتيحه، وطرائق لا تستجيب لخططه، وأقدار قد تأتي على خلاف ما رتّب له من حسابات. وقد ينفق المرء من عمره وجهده ما لا يحصى، ثم يقف عند عتبة أمر لم يُكتب له.
وهنا تتكشف المسافة بين فلسفتين: فلسفة تجعل الإنسان مركزاً للكون، وتوهمه أن صدق رغبته كافٍ لتسخير الوجود، وفلسفة إيمانية تعترف بقدرة الإنسان على الاختيار والعمل، دون أن تنسى أن فوق إرادته إرادة الله، وفوق تدبيره تدبير الحكيم سبحانه.
إنني أؤمن أن الرشد في هذه الحياة لا يتحقق بالتمني المجرد، ولا بالاستسلام لما تفرضه الظروف، وإنما في الجمع بين استفراغ الوسع في الأخذ بالأسباب، وسلامة القلب في تفويض النتائج إلى الله. فالتوكل ليس ستاراً يتوارى خلفه العاجز، ولا ذريعة لتعطيل العقل والعمل، كما أن الصبر ليس مرادفاً للخمول أو القبول بالهزيمة؛ بل هما مقامان من مقامات الإيمان، يلتقي فيهما صدق السعي مع طمأنينة اليقين.
وقد جلا القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
فليست دلالة الآية أن كل ما تشتهيه النفوس سيأتيها، ولا أن الأبواب ستُفتح لمجرد طرقها، وإنما أن من صدق في توكله على الله لم يكن وحيداً في مواجهة ما يعجز عنه، وأن كفاية الله لعبده أعظم من أن تُقاس بمقدار ما تحقق له من رغباته. فربما كان المنع حماية، والتأخير تهيئة، والتحول عن وجهة ظنناها غايتنا بدايةً لطريق أكثر صلاحاً لنا.
ومن هنا، فإن حسن الظن بالله لا يعني أن نفرض على الأقدار الصورة التي نريدها، بل أن نثق بحكمة من يدبرها، حتى حين تعجز عقولنا عن إدراك وجه الحكمة فيها. فليس كل ما نرغبه خيراً لنا، وليس كل ما نفقده خسارة، وقد تكون بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا أرحم بنا من أبواب ظللنا نطرقها بإلحاح.
ولئن كانت العرب تقول: «الانتظار أشد قتلاً»، فإن انتظار الفرج حين يتوشح بالصبر وحسن الظن بالله يختلف عن الانتظار الذي يستهلك العمر في الترقب والارتهان. إنه انتظار لا يعطل السعي، ولا يطفئ جذوة الأمل، بل يمنح النفس قدرة على احتمال ما لم يتيسر، ويحررها من استنزاف السؤال: لماذا لم يحدث ما أردت؟ ومتى يتحقق ما انتظرت؟
فثمة فرق بين من ينتظر لأنه عاجز عن مواصلة الطريق، ومن ينتظر لأنه أدى ما عليه، ثم سلّم ما عجز عنه إلى من بيده مقاليد الأمور. الأول أسير احتمالاته، والثاني يستمد طمأنينته من يقينه.
ولعل الخطأ الأكبر في مقولة كويلو ليس أنها تدعو الإنسان إلى الحلم، فالحلم ضرورة من ضرورات النهوض، وإنما أنها توحي بأن الكون شريك في رغباتنا، وأن الوجود مدين لنا بتحقيقها. والحقيقة أن الإنسان ليس سيد الأقدار، ولا مالكاً لنتائج مساعيه؛ إنه كائن محدود القدرة، واسع الأمل، مأمور بالسعي، ومفتقر إلى رحمة خالقه في كل شأن.
فلا الكون ملزم بمطاوعة أهوائنا، ولا الحياة مدينة لأحلامنا بالوفاء؛ إنما نمضي في مناكبها، ونبذل أسبابنا، ونقاوم عثراتها، وننهض بعد انكساراتنا، ثم نرد الأمر كله إلى الله. نسعى وكأن بلوغ الغاية مسؤوليتنا، ونتوكل وكأن تدبيرها ليس بأيدينا.
ولعل أجمل ما في ألطاف الله أن بعض عطاياه لا تأتي على الصورة التي رسمناها في مخيلتنا، ولا على الهيئة التي ألححنا في طلبها، بل تتجلى في صورة أخرى لم تكن ضمن حساباتنا، ثم نكتشف بعد حين أننا كنا نطلب شيئاً، بينما كانت رحمته تدخر لنا ما هو أحوج إلينا.
فليس كل ما تأخر قد ضاع، وليس كل ما مُنعنا منه قد حُرمنا خيره، ولعل أعظم الطمأنينة أن يعرف الإنسان متى يمضي بإرادته، ومتى يسكن قلبه إلى تدبير الله.
فالكون لا يطاوع كل من تمنى، ولكن الله لا تخفى عليه أمنية قلب، ولا يغيب عنه سعي عبد، ولا يعجزه تدبير أمر.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.