كُتاب الرأي

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

ثمة أوجاع لا تُرى، لا تترك على الجسد ندبة، لكنها تستقر في أعماق الروح، وترافق صاحبها كلما ظنّ أنه أوشك أن يبلغ ضفة الأمان.

ومن أشدّها أن يجد الإنسان نفسه محمولًا على حكاية لم يكتبها، ومحاطًا بأحكام لم تكن أفعاله سببًا فيها، وكأن عليه أن يقضي عمره يثبت أنه ليس امتدادًا لأخطاء الآخرين.

ما أعجب هذه الحياة! يولد الإنسان صفحةً لم تخطّها يداه، لا يختار اسمه الأول، ولا البيت الذي يفتح عينيه فيه، ولا الوجوه التي تسبقه إلى العالم، ولا الحكايات التي قد تلتصق باسمه قبل أن يعرف كيف يكتب حكايته الخاصة. ثم يمضي في دروبه، يحاول أن يصنع لنفسه ملامحها، وأن ينسج من أخلاقه وأفعاله سيرةً تليق به، فإذا به أحيانًا يواجه أحكامًا لا تقرأ صفحته، بل تنقّب في صفحات غيره.

وكأن الأقدار قد وضعت بعض الأرواح في امتحانٍ لم تختره ،أن تكون بريئةً، ثم تبحث عن مساحةٍ تعترف ببراءتها، وأن تحمل أحلامها بيد، وتدفع بيدٍ أخرى ظلال ماضٍ لم تعشه، وأن تُسأل عن إجاباتٍ لا تعرف أسئلتها أصلًا.

أيُّ وجعٍ أشد من أن يُختصر المرء في غيره؟ !
أن تُغيب ملامحه خلف ملامح سواه، وأن تُحجب عنه فرص الحياة لا لشيءٍ في ذاته، بل لأن حكايةً أخرى سبقت اسمه إلى مسامع الناس!

إن من أعمق معاني العدل أن يُردّ كل إنسانٍ إلى عمله، وأن تبقى الذمم مستقلة، فلا تنتقل الخطايا بين الأرواح، ولا تُورَّث الآثام كما تُورَّث الأسماء. ولهذا جاء البيان الإلهي جليًّا، قاطعًا لكل ظنٍّ جائر..

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

يا لروعة هذا الميزان حين تتأمله القلوب! لا يحمل إنسانٌ خطيئة إنسان، ولا تُثقل روحٌ بوزر روح، ولا يُنتزع من بريء حقه لأن غيره أخطأ.

لكل نفسٍ عملها، ولكل امرئٍ ما كسب، ولكل إنسانٍ حكاية تستحق أن تُقرأ من سطورها، لا من هوامش حكايات الآخرين.

ولعلّ في هذه الآية عزاءً عظيمًا لكل روحٍ أرهقها حمل ما ليس لها، ولكل قلبٍ شعر يومًا أنه يدفع ثمنًا لم يكن طرفًا في أسبابه، ولكل إنسانٍ ضاقت به المسافات بين حقيقته والصورة التي رسمها الآخرون عنه.

فليس كل من تشابهت أسماؤهم تشابهت طباعهم، وليس كل من جمعهم النسب جمعتهم الأفعال، وليس الماضي الذي يخصّ أحدهم قدرًا محتومًا على من جاء بعده.

قد تنبت زهرةٌ في أرضٍ عرفت العواصف، وتورق شجرةٌ في تربةٍ أثقلتها المواسم، ويخرج من الحكايات المتعبة قلبٌ نقيٌّ لم يحمل من أخطاء الأمس شيئًا.

وما أرقّ أن يُمنح الإنسان فرصة أن يكون هو ،أن يُرى بصفائه، ويُعرف بأثره، وتُقرأ أخلاقه بعيدًا عن الأسماء والظلال والانطباعات الموروثة.

فما قيمة أن يمتلك المرء سيرةً بيضاء إذا لم يجد عينًا تنظر إليها بإنصاف؟ وما جدوى أن يمضي في تهذيب نفسه، إذا ظلّت أبواب الحياة تُفتح أو تُغلق على أساس حكايات لم يكن شاهدًا عليها؟

إن في الحياة أقدارًا لا نختار بداياتها، لكننا لا نفقد بسببها حقنا في أن نصنع نهاياتنا ،وفي كل إنسانٍ مساحةٌ لا يحق للماضي أن يصادرها، ومساحةٌ من الكرامة لا ينبغي أن تحجبها أخطاء الآخرين.

وما بين عدل السماء وأحكام الأرض مسافةٌ تكشفها هذه الآية العظيمة ،فالله سبحانه يعلم السرائر، ويزن الأعمال، ولا يظلم أحدًا، وقد جعل لكل نفسٍ مسؤوليتها، فلا تحمل نفسٌ حمل أخرى.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان للإنسان أن يراه بعين الإنصاف، وأن يترك له حقه في أن يكون مختلفًا، وأن يمنحه فرصةً لا يُثقلها تاريخٌ لم يصنعه، ولا ذنبٌ لم يقترفه.

فبعض القلوب لا ينقصها الصبر، بل ينقصها أن تُفهم، وبعض الأرواح لا تبحث عن امتياز، بل عن حقها البسيط في ألا تُحاسب على ما لم تفعل.

وهنا تبقى الحقيقة التي لا تتبدل، أن لكل إنسانٍ صحيفته، ولكل روحٍ حسابها، وأن عدل الله أوسع من ظنون البشر، وأعظم من أن يحمل بريءٌ وزر مذنب.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

آيةٌ ليست عزاءً للمظلوم فحسب، بل ميثاق عدلٍ للإنسانية كلها ، حتى لا تضيع براءةٌ في زحام الأنساب، ولا يُدفن مستقبلٌ تحت ركام الماضي، ولا يُسأل بريءٌ يومًا :
بأي ذنبٍ حُمّلت ما ليس لك؟

✍🏻حصة محمد الجهني

 

 

 

حصه محمد الجهني

أديبة وكاتبة رأي وقاصة وشاعرة ومشرفة أقلام ناشئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.