نحن طويق.. حين تتجاوز الكلمة حدود الوطن

نحن طويق.. حين تتجاوز الكلمة حدود الوطن
بقلم: د. محمد بن سليمان الأنصاري
أستاذ القانون الدولي
———————————————-
حين شبّه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – همة السعوديين بجبل طويق، قائلاً: «لدى السعوديين همة مثل هذا الجبل، همة السعوديين لن تنكسر إلا إذا انهد هذا الجبل وتساوى بالأرض»، لم يكن هذا التشبيه مجرد صورة بلاغية تستحضر الشموخ والثبات، بل حمل دلالة وطنية عميقة تعكس الثقة بعزيمة الإنسان السعودي وقدرته على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. ومن هذه المعاني تستمد عبارة «نحن طويق» رمزيتها الوطنية، في زمن لم تعد فيه قوة الأوطان تُقاس بإمكاناتها الاقتصادية والسياسية وحدها، بل أيضاً بوعي شعوبها، ورقي خطابها، وقدرتها على تقديم هويتها وقيمها للعالم.
وفي عالم تتسارع فيه المتغيرات، وتتجاوز فيه المعلومات حدود الجغرافيا، أصبح الوعي الوطني عنصراً مهماً في تعزيز مكانة الدول وصورتها الدولية. فلم تعد الكلمة مجرد وسيلة للتعبير عن الرأي، بل غدت أداة مؤثرة في تشكيل الانطباعات وبناء الثقة والتواصل بين الشعوب. ومن هنا تبرز أهمية المبادرات الإعلامية الوطنية التي تسعى إلى ترسيخ المسؤولية المجتمعية، ونشر ثقافة الحوار، والارتقاء بالخطاب الإعلامي القائم على المصداقية والموضوعية.
وتكتسب «نحن طويق» معناها حين تتحول إلى رسالة تهدف إلى تعزيز الوعي الوطني، وترسيخ ثقافة المسؤولية، وتشجيع التحقق من المعلومات، وإبراز القيم الإيجابية في المجتمع. وهي رسالة تتجاوز حدود الشعارات إلى بناء الإنسان الواعي بمسؤولياته تجاه وطنه ومجتمعه، والمدرك أن المحافظة على المكتسبات الوطنية لا تتحقق بالكلمات وحدها، وإنما بالسلوك المسؤول، والعمل المخلص، والمشاركة الإيجابية التي تعكس أصالة المجتمع السعودي وقيمه الراسخة.
وفي ميدان العلاقات الدولية، لم تعد أدوات التأثير الدبلوماسي مقتصرة على اللقاءات الرسمية والمفاوضات السياسية، بل أصبحت الدبلوماسية العامة والتواصل الثقافي والإعلامي من الوسائل المهمة في تعزيز التفاهم وبناء جسور الثقة بين المجتمعات. وإذا كانت الدبلوماسية الرسمية تمثل الدولة من خلال مؤسساتها المختصة، فإن التواصل المجتمعي الواعي يسهم في تشكيل صورتها لدى الآخرين، ويمنح الكلمة والسلوك والحضور الرقمي أبعاداً تتجاوز نطاقها المحلي، دون أن يعني ذلك تمثيل الأفراد لدولهم بصفة رسمية.
وحين يمتد تأثير الخطاب الإعلامي إلى ما وراء الحدود الوطنية، تبرز أهمية استحضار المبادئ التي تنظم العلاقات الدولية، وما تقوم عليه من احترام متبادل وتعاون وحوار. فمن منظور القانون الدولي، يمثل احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، وتعزيز التعاون الدولي، ركائز أساسية في تنظيم العلاقات بين الدول. وعلى المستوى المجتمعي، تتلاقى القيم التي تستند إليها هذه المبادئ مع أهمية احترام الآخر، ونبذ التعصب، وتعزيز ثقافة التفاهم، مع ضرورة التمييز بين الالتزامات القانونية التي تقع على عاتق الدول، والمسؤوليات القانونية والأخلاقية التي يتحملها الأفراد وفق الأنظمة ذات الصلة والقيم المجتمعية.
ولعل من أبرز تحديات العصر الرقمي الانتشار المتسارع للمعلومات والشائعات، وما قد يترتب عليه من تأثير في الرأي العام والصورة الذهنية للدول والمجتمعات. فالمعلومة غير الدقيقة قد تتجاوز حدود المجتمع الذي نشأت فيه، كما أن الخطاب المتزن المستند إلى الحقائق يستطيع الإسهام في تصحيح المفاهيم وتعزيز الاحترام المتبادل. ومن هنا، فإن التثبت من المصادر، وتحري الدقة، واحترام الحقوق والأنظمة، تمثل أسس الممارسة الإعلامية المسؤولة، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير ومتطلبات المسؤولية، ويحفظ مساحة الحوار والنقد البنّاء.
والمملكة العربية السعودية، بما تتمتع به من مكانة دينية وتاريخية وثقل سياسي واقتصادي، تواصل تعزيز حضورها في المحافل الإقليمية والدولية، مستندة إلى ثوابتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها الدولية. وفي هذا السياق، يتجلى دور الوعي المجتمعي في إبراز الهوية السعودية وقيمها الحضارية، وتقديم صورة واقعية تعكس ما يشهده الوطن من تطور وإنجازات، بعيداً عن المبالغة أو الخطابات التي تفتقر إلى المصداقية.
إن الانتماء الحقيقي للوطن لا يُقاس بعلوّ النبرة أو كثرة العبارات، وإنما بصدق المواقف، ورقي السلوك، والإخلاص في العمل. فالوطنية الواعية تجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح المسؤول على العالم، وبين الحرص على المصالح الوطنية واحترام القيم الإنسانية، وبين حرية الرأي والمسؤولية المصاحبة لممارستها. وهي قيم تعزز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات الفكرية والإعلامية بثقة واتزان، وترسخ ثقافة الحوار والتعايش والاحترام المتبادل.
ومن هذا المنطلق، فإن «نحن طويق» ليست شعاراً يُرفع، بل فرصة لتعزيز ثقافة الوعي والمسؤولية، وترسيخ مفهوم أن كل مواطن قادر على الإسهام في إبراز الصورة الحضارية لوطنه، من خلال علمه وعمله وأخلاقه وطريقة تواصله مع الآخرين. فالقوة الناعمة للدول لا تصنعها المؤسسات وحدها، بل تسهم في بنائها أيضاً ثقافة المجتمع، ومستوى تعليمه، ومنجزاته، وقدرته على التواصل والتأثير الإيجابي في محيطه الإقليمي والدولي.
وستبقى كلمات سمو ولي العهد عن همة السعوديين وجبل طويق رمزاً للعزيمة والثبات، ودافعاً لاستحضار مسؤوليتنا تجاه وطننا. فمكانة الأوطان لا تتعزز بارتفاع أصوات المدافعين عنها، بقدر ما تتعزز بصدق خطابها، ورصانة حجتها، ووعي أبنائها، وقدرتها على تقديم منجزاتها وقيمها إلى العالم. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تحملها كلماتنا ومواقفنا، ليكون انتماؤنا للوطن مسؤولية، ووعينا قوة، وحضورنا امتداداً لمكانته وتاريخه.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ووفق قيادتنا الرشيدة لما فيه خير الوطن والمواطن، وأدام على شعبنا السعودي الكريم العزة والرخاء والازدهار.
كاتب رأي
#نحن_طويق