كُتاب الرأي
الى عاشقة المطر

الى عاشقة المطر
بدر بن سالم
جاءني سؤال من الأستاذ محمد الحمادي من مركز تعارف، جعلني أخرج شيئًا من أسرار شخصية «حصة» في رواية «وردة الرماد».
سألني: ما الذي جعلك تجعل شخصية حصة شخصية استثنائية؟
ضحكت وقلت له: أخي، أعتقد أن الأنثى أقوى من الرجل، مهما بلغت قوة الرجل وبنية جسده. الرجل قد تصيبه طلقة من طلقات الحياة فيسقط، أما المرأة فقد تتلقى طلقات كثيرة، ثم تمسح دمعتها وتعود لتكمل الطريق.
«حصة» لم تكن امرأة واحدة.
كانت مرحلة تأمل طويلة في مجموعة من النساء اللواتي عرفتهن أو تأملت حياتهن، أخذت منهن الإصرار والعزيمة وعدم الانكسار، ثم حاولت أن أضع كل ذلك في شخصية واحدة.
حصة التي تشكل معظم شخصيتها امرأة تعمل بجهد؛ تدرجت في العمل، فبدأت موظفة استقبال في مستوصف، ثم انتقلت إلى شركة سياحية، ثم إلى شركة اتصالات، حتى أصبحت مشرفة فرع. وبعد تعب وجهد، أسست مؤسسة خاصة كانت تعيل منها عائلتها، لكن المنافسة لم تكن نزيهة معها، فاضطرت، للأسف، إلى إغلاق المؤسسة. وهي أيضًا فنانة تشكيلية، وتعرف كيف تقف أمام الحياة. لكن حين تتراكم عليها عقبات الزمان، تذهب إلى مكان لا يراها فيه أحد وتبكي.
ولم يكن بكاؤها بكاء ضعف، بل بكاء نبل.
ثم تمسح دموعها وتعود.
وهنا تحديدًا كنت أرى عظمة المرأة.
امرأة أخرى كانت طالبة في كلية الطب. تزوجت، ثم شاء القدر أن تشتعل النار في شقتها، فأُصيبت بحروق في وجهها وحاجبها الأيمن. وفي المستشفى، وهي في أقسى لحظاتها، كانت تحتاج إلى زوجها، فإذا به يخذلها ويطلقها.
كان يمكن أن تنتهي الحكاية هناك.
لكنها رممت الرماد.
أكملت دراستها، وسافرت إلى بلد اشتهر بالتجميل، وعادت أجمل مما كانت، ثم أكملت طريقها حتى أصبحت أستاذة مساعدة في الطب.
وبعد سنوات، طرق طليقها بابها يرجو العودة.
فأغلقت الباب في وجهه.
كأنها نهاية فيلم «العراب» في مشاهده الأولى؛ ليس انتقامًا، وإنما إعلانًا أن المرأة التي كسرتها الحياة مرة، لم تعد هي المرأة نفسها.
وامرأة أخرى كان زوجها غير كفء للمسؤولية. تزوجته وهي في ريعان شبابها، وأنجبت منه بنات، وكان يرتكب المحاذير، حتى أصبحت أقسام الشرطة تعرف طريقها إليه.
كانت تذهب في ساعات متأخرة من الليل، تخرجه وتكفله، ثم تعود لتواجه ديونه ومشكلاته.
ومرت السنوات.
تقاعدت تلك المرأة، لكنها رأت بناتها يكملن الطريق؛ هذه طبيبة، وتلك مديرة، وأخرى تحمل مسؤولية كبيرة.
كانت أمًا ومعلمة في الوقت نفسه.
والمعلمة، حين تُحسن تربية جيل، لا تخرج فصلًا من الطالبات فقط؛ قد تخرج شعبًا طيب الأعراق.
لهذا أؤمن أن الشخصية في الرواية هي أهم عناصرها، بل هي روح الرواية.
قد تكون اللغة جميلة، وقد تكون التقنية عالية، وقد يعرف الكاتب كيف يبني الجملة ويزينها، لكنني لا أعتقد أن اللغة وحدها ترفع الرواية. الذي يجعل القارئ يتعلق بالعمل هو الشخصية حين تصبح حقيقية، والأحداث حين تجعله يشعر أن هؤلاء الناس يعيشون أمامه.
ولا أنسى الأديبة شذا بنت سعيد حين قالت لي إن روايتي كانت من أصعب الصفحات التي مرت عليها، لأنها كانت تبكي مع كل حدث.
كما أن أستاذي، الممثل القدير يوسف الجراح، طلب نسخة من الرواية ليضعها في مكتبته، وكان ذلك بالنسبة لي تكريمًا أعتز به.
أنا أعلم أنني لست مشهورًا، وأن التلفاز لا يبحث عني، وأن اسمي لم يصبح بعد اسمًا يعرفه الجميع.
لكنني لا أكتب بحثًا عن الشهرة وحدها.
أريد أن أخرج نصًا أو رواية يفتخر بها وطني، وأقف أمام الله وأنا مطمئن أنني لم أكتب ما أخجل منه.
وحين تنظر إلى المرأة في لحظة بكائها من القهر، ثم تراها تجمع بناتها حولها، أو تقف على سطح منزلها تراقب ابنها الصغير وهو ذاهب إلى المسجد، ثم تعرف أن ذلك الطفل الذي كانت تحمله بين ذراعيها أصبح يومًا مديرًا لشركة، أو ضابطًا، أو مسؤولًا، أو صاحب شأن…
تدرك أن خلف كثير من الرجال الذين نراهم اليوم امرأة لا يراها أحد.
قد تكون أمًا.
وقد تكون زوجة.
وقد تكون أختًا.
وقد تكون امرأة وقفت وحدها حين غاب الجميع.
وأحيانًا أتساءل وأنا أكتب عن المرأة:
كيف تستطيع أن تجمع كل هذا الإصرار؟
كيف تنكسر في الليل، ثم تستيقظ في الصباح لتكمل مسؤولياتها وكأن شيئًا لم يحدث؟
كتبت «وردة الرماد» بقلم رجل يحاول أن يدخل إلى وجدان امرأة، واستشعرت بعض أحاسيسها، وعشت معها خوفها ووجعها وانتصارها.
لكنني، حتى الآن، أعتقد أنني لا أزال أجهل سرًا كبيرًا فيها:
كيف تستطيع المرأة أن تحمل كل هذا الألم، ثم تكون هي نفسها اليد التي تسند بها الجميع؟
وربما لهذا كانت «حصة» بالنسبة لي أكثر من شخصية روائية.
كانت محاولة لفهم المرأة.
محاولة لم تنتهِ.
