كُتاب الرأي
أماكن في بلادي

أماكن في بلادي
بدر بن سالم
أماكن في بلادي مررنا بجوارها ولم نعرف حكايتها
حين تتجول في المملكة، لا تمشي فوق أرضٍ عادية.
تمشي فوق أرضٍ تحفظ في صخورها ومغاراتها وأوديتها حكاياتٍ أقدم من الطرق التي أوصلتنا إليها، وأقدم من المدن التي قامت حولها.
قد تمر بجبلٍ وتراه مجرد جبل.
وقد ترى واديًا فتقول: ما أجمله.
وقد تسمع باسم عين ماء، أو مغارة، أو كهف، ثم تمضي دون أن تسأل:
ماذا تخبئ هذه الأماكن؟
والحقيقة أن في بلادنا أماكن كثيرة لا يعرف عنها الناس إلا اسمها، بينما لو عرفوا قصتها لتوقفوا عندها طويلًا.
ومن هنا بدأت أتأمل بعض الأماكن التي تستحق أن نحكي عنها.
جبل قارة.. الجبل الذي يخفي أسراره في داخله
في الأحساء، وسط الواحة الخضراء، يقف جبل القارة كأنه حارس قديم للنخيل.
جبلٌ ليس سرّه في ارتفاعه، وإنما في جوفه.
ففي داخله مغارات وكهوف متعددة، لكل واحدة منها شكلها وحكايتها، وتتميز هذه المغارات باعتدال حرارتها؛ فتجد فيها برودة في أيام الصيف الحارة، وكأن الجبل يحتفظ في داخله بشيء من لطف الطبيعة.
وحين تدخل بعض كهوفه، تشعر أنك تركت الأحساء التي تعرفها فوق الأرض، ودخلت عالمًا آخر.
صخرٌ يحيط بك من كل جانب، وممرات تضيق ثم تتسع، وظلال صنعتها الطبيعة عبر زمن طويل، وهواء بارد ونسيم يجعلك متعجبًا من قدرة الخالق.
لكن قارة ليس مجرد مكان جميل للتصوير.
ففي رأس الجبل موضع يعرف بـ«المشقر»، وله حضور في التاريخ العربي القديم، حتى ارتبط بملوك كندة، وورد ذكره في الشعر العربي.
وهنا تتوقف قليلًا وتقول:
كم من مكانٍ في بلادنا نمشي بجواره، ولا نعرف أن التاريخ كان يمشي معنا؟
عين هيت.. ماءٌ في جوف الأرض
ثم نعود إلى الرياض.
جنوب شرق المدينة، وعلى الطريق المؤدي إلى الخرج، يوجد مكان قد لا يتوقع الإنسان أن يخفي كل هذه الحكاية.
كهف عين هيت.
فتحة في الأرض تقود إلى أعماقها، وفي أسفل الكهف عين ماء مرتبطة بخزان جوفي واسع.
والأجمل أن المكان لم يكن مجرد ظاهرة جيولوجية.
فله حضور في تاريخ الرياض الحديث، وارتبط بالماء الذي احتاج إليه الناس في تلك المنطقة.
تخيل معي المشهد.
أرضٌ تبدو لك قاسية وجافة.
ثم تحت هذه الأرض، ماء.
وتحت الماء حكاية.
وتحت الحكاية تاريخ.
وهنا تعرف أن الصحراء ليست كما تبدو لنا من فوقها.
أم جرسان.. حين تتحول الصهارة إلى حكاية
وفي جهة أخرى من المملكة، وسط طفوح حرة خيبر البركانية، يقع كهف أم جرسان.
كهفٌ ليس صغيرًا ولا عابرًا.
يمتد على هيئة نفق لمسافة طويلة، وتصل بعض أجزائه إلى ارتفاعات واتساعات كبيرة.
لكن الذي يجعل أم جرسان مختلفًا ليس حجمه وحده.
فهذا المكان حفظ في داخله آثارًا من حياة بشر عاشوا في الجزيرة العربية قبل آلاف السنين.
وقد كشفت الدراسات عن دلائل للاستيطان البشري، وعن بقايا حيوانات وأدوات وآثار تساعد العلماء على فهم حياة الإنسان والبيئة في الجزيرة العربية قبل آلاف السنين.
تخيل أنك تدخل كهفًا في قلب صحراء خيبر، ثم تكتشف أن أناسًا سبقوك إلى هذا المكان بآلاف السنين.
ناموا هنا.
احتموا هنا.
مروا من هذه الصخور.
وربما أشعلوا نارًا في المكان نفسه الذي تقف فيه اليوم.
عندها لا يعود الكهف مجرد كهف.
يصبح ذاكرة.
ومن يعرف الأرض.. يرى ما لا يراه العابر
وليس بعيدًا عن هذا المعنى، هناك أماكن قد لا تكون مشهورة مثل جبل قارة أو أم جرسان، لكنها قادرة على أن تسحرك ببساطتها.
في العيينة مثلًا، قد تمر بعينٍ أو وادٍ أو منظر طبيعي، فتكتشف أن جمال المكان ليس دائمًا في شهرته، وإنما فيما وضعه الله فيه من تفاصيل.
وعلى أطراف الرياض، وفي آخر شارع ديراب، يمر شعيب الواشلة بمشهد مختلف.
وقد سبق أن كتبت عنه في روايتي «ستر النور»، لأن بعض الأماكن لا تكتفي بأن تراها بعينك، بل تدخل في ذاكرتك وتتحول إلى صورة لا تنساها.
وهناك جبل حابس المال، ذلك المشهد الذي تتداخل فيه الصخور مع الماء والطبيعة، فتبدو لك كأنها لوحة مفتوحة رسمها الخالق دون تدخل من أحد.
شلال.
وصوت ماء.
وأصوات طيور.
ونباتات تحيط بالمشهد.
لحظة تشعر فيها أن الطبيعة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
يكفي أن تقف.
وتنظر.
وتسمع.
وفي جنوب المملكة، أماكن أخرى قد لا ترى منها الأرض إلا قليلًا، من كثافة الغطاء النباتي الذي يحيط بها.
هناك تشعر أن المملكة ليست صحراء كما تختصرها بعض الصور.
فيها الجبال.
والأودية.
والغابات.
والشعاب.
والعيون.
والكهوف.
والسهول.
وفيها حياة فطرية تحتاج إلى أن نحافظ عليها كما نحافظ على آثار أجدادنا.
وهنا يأتي دور الجهات التي تعمل على حماية الحياة الفطرية والمحافظة على الثروات الطبيعية، ووضع الأنظمة التي تضمن بقاء هذه الكنوز للأجيال القادمة.
فما أجمل أن نترك لأبنائنا وأحفادنا أرضًا يستطيعون أن يقفوا فيها يومًا، كما وقفنا نحن، وينظروا إلى جمالها ويقولوا:
ما زالت بلادنا تحتفظ بأسرارها.
ولا يمكن أن نتحدث عن الأماكن الطبيعية، ولا نتحدث عن الرجال الذين يقفون في لحظات الخطر.
ففي مواسم الأمطار والسيول، يظهر دور الدفاع المدني والطوارئ والأجهزة الأمنية، ويظهر معه معنى آخر من معاني جمال الوطن.
كم من رجلٍ دخل موقعًا خطرًا لينقذ غريقًا.
وكم من أسرةٍ كانت تنتظر يدًا تمتد إليها.
وكم من موقفٍ كان يمكن أن ينتهي بمأساة، لولا شجاعة رجلٍ أدى واجبه.
فالوطن ليس فقط أرضًا جميلة.
الوطن أيضًا رجال ونساء يحافظون على هذه الأرض، ويحفظون أهلها.
وهذا ما يجعل السياحة في المملكة ليست فقط في الأماكن التي نعرفها جميعًا.
ليست فقط في المدن الكبرى، ولا في الفنادق والمطاعم والمشاريع الحديثة.
السياحة أيضًا في جبلٍ له قصة.
وفي كهفٍ خبأ الماء.
وفي وادٍ مرّ به الناس قديمًا.
وفي عينٍ ظلت تعطي الماء بينما تغيرت الحياة من حولها.
وفي شعيبٍ يختبئ خلف الطريق.
وفي جبلٍ تصنع صخوره مع الماء مشهدًا لا تنساه.
وفي طائرٍ يحلق فوق غابة جنوبية، ويحتاج منا أن نحافظ على موطنه.
وفي رجل أمنٍ يقف في لحظة خطر ليحفظ حياة إنسان.
المملكة واسعة.
وكل منطقة فيها تخبئ شيئًا.
قد يكون كهفًا.
وقد يكون عينًا.
وقد يكون جبلًا.
وقد تكون قريةً صغيرة لا تمر بها إلا لأن الطريق قادك إليها.
لكن السؤال الجميل ليس:
أين نذهب؟
بل:
ماذا سنجد عندما نذهب؟
فربما تكون أجمل الرحلات هي التي لا نعود منها بصورة فقط، وإنما نعود منها بحكاية.
وحينها نفهم أن بلادنا ليست مجرد مساحة واسعة بين المدن.
إنها كتاب كبير.
صفحة فيه في الأحساء.
وصفحة في الرياض.
وصفحة في خيبر.
وصفحة في الجنوب.
وصفحة في الشمال والشرق والغرب.
وكلما ظننا أننا عرفنا المملكة، اكتشفنا أن فيها مكانًا آخر يقول لنا:
لم تعرفني بعد.
وهنا تكمن متعة السفر.
أن تمشي في وطنك، فتكتشف أنك لا تزور المكان فقط…
بل تكتشف حكاية كانت تنتظرك منذ آلاف السنين.
