هل تتجدد الحرب الواسعة؟

هل تتجدد الحرب الواسعة؟
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
الخميس الموافق ( 5 ) نوفمبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( أخطر الحروب تلك التي تبدأ تحت وطأة الغضب السياسي وتستمر بعناد القادة وتنتهي بكوارث تدفع الشعوب أثمانها . )
بعد الخسارة الانتخابية الكبيرة التي مني بها الحزب الجمهوري وفقدانه السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ ، يبرز تساؤل استراتيجي بالغ الأهمية : هل يقدم الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب على استئناف العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران قبل بدء ولاية الكونغرس الجديد في يناير القادم ؟ أم أن نتائج الانتخابات ستدفعه إلى احتواء المواجهة والبحث عن تسوية سياسية ؟
دستوريا ، يحتفظ الرئيس / ترامب بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بصلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية ، لكنه لا يمتلك تفويضا مطلقا لشن حرب مفتوحة دون قيود ، إذ يمنح الدستور الأمريكي الكونغرس سلطة إعلان الحرب وإقرار الاعتمادات المالية والرقابة على السلطة التنفيذية . كما يفرض قانون صلاحيات الحرب قيودا زمنية وإجرائية على العمليات القتالية غير المصرح بها ، ولا يمنح الرئيس ترخيصا تلقائيا لخوض حرب لمدة ستين يوما ، بل يلزمه بإنهاء العمليات المشمولة بالقانون خلال المدة المحددة ما لم يتوافر سند قانوني لاستمرارها ، مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها . ولا تمنحه نتائج الانتخابات تفويضا عسكريا جديدا أو تعطل صلاحيات الكونغرس الحالي .
وتكمن حساسية المرحلة الراهنة في استمرار الأغلبية الجمهورية الحالية حتى الثالث من يناير ( 2027 )م ، موعد بدء ولاية الكونغرس الجديد ، مما قد يمنح الرئيس / ترامب هامشا سياسيا أوسع لتصعيد العمليات العسكرية قبل انتقال السيطرة التشريعية إلى الديمقراطيين . وقد تشكل الأسابيع الفاصلة نافذة سياسية حساسة قد يسعى خلالها إلى فرض واقع عسكري جديد قبل انتقال الأغلبية إلى خصومه ، غير أن هذا الاحتمال يظل رهينا بحسابات الكلفة والمخاطر .
أما بعد يناير ، فسيتمكن الديمقراطيون من ممارسة ضغوط دستورية مؤثرة عبر التحقيقات البرلمانية واستدعاء المسؤولين ومحاولة إقرار تشريعات لتقييد التمويل العسكري أو إنهاء العمليات القتالية غير المصرح بها . غير أن امتلاك الأغلبية البسيطة لا يضمن إيقاف الحرب ، إذ قد تعترض التشريعات عقبات إجرائية في مجلس الشيوخ ، كما يتطلب تجاوز الفيتو الرئاسي موافقة ثلثي أعضاء كل مجلس .
ومن المنظور العسكري والاستراتيجي ، قد تدفع الخسارة الانتخابية الرئيس / ترامب إلى استئناف الضربات الواسعة ضد إيران سعيا إلى تحقيق إنجاز عسكري يعيد إليه زمام المبادرة السياسية ، خصوصا في ظل الضغوط الناجمة عن تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة . غير أن هذا التوجه قد يتحول إلى مغامرة عسكرية تزيد خسائره السياسية والاقتصادية وتمنح خصومه الديمقراطيين أوراقا إضافية لمحاسبته عند انعقاد الكونغرس الجديد .
وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية إضافية في أعقاب الضربات الأمريكية المحدودة التي استهدفت مواقع دفاع جوي في جزيرة قشم الإيرانية مطلع نوفمبر الجاري ، إذ تعكس استمرار التوتر العسكري واحتمال تجدد الاشتباكات ، دون أن تشكل بمفردها دليلا قاطعا على اتخاذ قرار أمريكي باستئناف الحرب الواسعة . كما أن طبيعة الرد الإيراني ومدى اتساعه قد تؤثر بصورة مباشرة في حسابات التصعيد أو التهدئة خلال المرحلة المقبلة .
وفي المقابل ، قد يفضل الرئيس / ترامب احتواء المواجهة تجنبا لاستنزاف عسكري واقتصادي إضافي ، خاصة أن اتساع الحرب يهدد الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب ، وقد تمتد تداعياته إلى باب المندب وجنوب البحر الأحمر ، مما يعرض دول الخليج العربي والمنطقة والعالم لخسائر اقتصادية جسيمة ويضاعف اضطرابات أسواق النفط والغاز والتجارة العالمية .
وفي هذا السياق ، يتحمل النظام الإيراني مسؤولية سياسية جسيمة عن سياساته الاستفزازية وتدخلاته الإقليمية ودعمه للميليشيات والعصابات الإرهابية المسلحة وتهديده أمن المنطقة ومصالح العالم . وقد علمتنا تجارب التاريخ أن الأنظمة التي تستبدل الحكمة بالغطرسة وتتوهم أن تهديد الآخرين دليل قوة إنما تقامر بمصائر شعوبها ، وأن العبث بأمن الدول واقتصاداتها ليس شجاعة بل استهتار بعواقب الحروب .
ويزيد المشهد تعقيدا استمرار الخلافات الحادة بين واشنطن وطهران بشأن شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز ، رغم الجهود الدبلوماسية القطرية والمساعي الإقليمية الرامية إلى احتواء المواجهة . وتظل الجهود الباكستانية المبذولة في هذا السياق جزءا مهما من مساعي خفض التصعيد ، غير أن نجاح الوساطات يتطلب مرونة سياسية واستعدادا حقيقيا لتقديم تنازلات متبادلة ، بدلا من التمادي في التهديدات والمواقف المتصلبة .
وفي ختام هذه الرؤية ، أرجح أن احتمال تجدد الحرب الأمريكية الواسعة ضد إيران يظل قائما دون أن يكون حتميا ، وأن الأسابيع المتبقية حتى يناير ستكون شديدة الحساسية ، فيما سيبقى القرار الأمريكي مرهونا بحسابات الرئيس / ترامب السياسية والعسكرية وطبيعة الرد الإيراني وفرص نجاح الوساطات الدبلوماسية وتداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي .
( إن النظام الإيراني الذي جعل من استفزاز العالم سياسة ومن تهديد أمن الشعوب وسيلة للابتزاز ودعم الميليشيات والعصابات الإرهابية أداة لنشر الفوضى إنما يخوض مقامرة تاريخية خطيرة ، فمن يزرع أسباب الحروب لا يملك ضمان النجاة من نيرانها . )
