وإن غدا لناظره قريب .

وإن غدا لناظره قريب .
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
استنادا إلى المعلومات المتاحة من المصادر الإعلامية المفتوحة .
الخميس الموافق ( 29 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( أخطر اللحظات في تاريخ الدول تلك التي تتأخر فيها القرارات المصيرية ، بينما تتسارع الأحداث نحو نتائج تتجاوز قدرة أصحابها على التحكم فيها . )
المقدمة .
تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة بالغة الحساسية ، تتقاطع فيها الحشود العسكرية والتحذيرات الاستخباراتية مع المساعي الدبلوماسية لتجنب تجدد الحرب . وتشير التقارير المنشورة إلى استعداد واشنطن لاحتمال استئناف عملياتها العسكرية عقب انتخابات الكونغرس في ( 3 ) نوفمبر المقبل ، وسط توقعات من رد إيراني يستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية والممرات البحرية . ويظل القرار الأمريكي النهائي وتوقيته رهن الحسابات السياسية والعسكرية .
1. الحشود والدلالات العسكرية .
عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة بانتشار بحري إضافي يضم نحو ( 9000 ) من البحارة ومشاة البحرية ، ويشمل حاملة الطائرات ( ثيودور روزفلت ) وسفنا برمائية ، بالتزامن مع تحذيرات أمريكية للحلفاء من احتمالات التصعيد الإيراني .
وتشير القراءة العسكرية إلى أن طبيعة القوات ومهامها أهم من أعدادها وحدها . فتعزيز الاستطلاع والإسناد اللوجستي والدفاع الصاروخي يخدم الردع والضغط التفاوضي ، ويوفر خيارات هجومية عند الضرورة . أما تقدير قرب التنفيذ فيتطلب مؤشرات إضافية تتعلق بالجاهزية العملياتية والقرار السياسي .
2. الضربة المحدودة أم الحملة الواسعة ؟
تملك واشنطن خيارات تبدأ بضربات محدودة ضد أهداف عسكرية مختارة ، وقد تتطور إلى حملة جوية وبحرية واسعة تستهدف القدرات الصاروخية والجوية والبحرية والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني .
وتشير التقارير المنشورة إلى تصورات لحملة قد تستمر عدة أيام ، مع احتمال اتساع نطاقها ومدتها إذا تعثرت المفاوضات أو تصاعد الرد الإيراني .
ويكمن الفارق بين الخيارين في طبيعة الأهداف وحجم القوات والذخائر والإسناد واحتمالات الرد . فالنجاح في تدمير الأهداف العسكرية يختلف عن تحقيق الحسم السياسي والاستراتيجي ، خصوصا إذا احتفظ الخصم بقدرات تمكنه من مواصلة القتال .
3. القيادة والسيطرة الإيرانية .
تمثل منظومة القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية وقدرة الحرس الثوري الإيراني على تنسيق العمليات الصاروخية والجوية والبحرية عناصر حيوية في إدارة المواجهة .
وقد يؤدي إضعاف هذه المنظومة إلى إرباك الاتصالات وتقليص القدرة على تنفيذ هجمات متزامنة . ومع ذلك ، قد تحتفظ وحدات عسكرية بقدرتها على العمل المستقل أو عبر ترتيبات بديلة ، الأمر الذي يجعل الحسم أكثر تعقيدا ويحد من جدوى الاعتماد على الضربات العسكرية وحدها لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى .
4. الدبلوماسية واحتمالات التصعيد .
تتواصل جهود الوساطة القطرية بمساندة المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا ودول إقليمية أخرى ، سعيا إلى استئناف المفاوضات النووية وتجنب تجدد العمليات العسكرية .
وتشمل الأفكار المطروحة السماح باستئناف التفتيش الدولي للمنشآت النووية الإيرانية مقابل تخفيف محدود لبعض العقوبات ، وسط خلافات بشأن مخزون اليورانيوم المخصب والحصار البحري والأموال المجمدة . وتبقى هذه المقترحات قيد البحث دون اتفاق نهائي .
وتتزايد أخطار المواجهة إذا امتد الرد الإيراني إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية ، أو تزامن مع اعتداءات تنفذها عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة .
5. المملكة وأولويات الحماية .
يتقدم أمن المقدسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية وقاصديها من الحجاج والمعتمرين ، وأمن الوطن ومواطنيه والمقيمين فيه وقواته المسلحة ومصالحه الحيوية ، جميع الاعتبارات الاستراتيجية .
وتعزز الجاهزية المتكاملة للقوات المسلحة ؛ البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي وكافة القوات والقطاعات العسكرية قدرة المملكة العربية السعودية على حماية أراضيها ومقدساتها ومنشآتها الحيوية ، وردع أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها .
الخاتمة .
تضع التطورات الراهنة واشنطن وطهران أمام ثلاثة مسارات : تسوية تفاوضية ، أو ضربات عسكرية محدودة ، أو حملة واسعة تتزايد معها احتمالات امتداد المواجهة إقليميا .
ويتمثل التحدي الأمريكي في تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية دون الانزلاق إلى حرب تتجاوز حسابات البداية . أما القيادة الإيرانية فتواجه مسؤولية مراجعة سياساتها الهجومية العدوانية التخريبية وتقدير عواقب إستمرار التصعيد .
ومن سنن الله في خلقه أن الأيام دول ، وأن الدوائر قد تدور على من إعتاد إشعال الحروب في ديار الآخرين . فالاستعداد للحرب عمل عسكري ، أما قرار خوضها وإنهائها ، ومدى تحقيق أهدافها ، فهو إختبار سياسي واستراتيجي قد تعود عواقبه على من أشعل فتيلها …، ولله في خلقه شئون .
