كُتاب الرأينحن طويق

سعوديتنا لا نساوم عليها

سعوديتنا لا نساوم عليها

محمد الفريدي

ماذا تريدون منا ومن بلادنا؟ أن نُعطّل حياتنا من أجلكم حتى تزول أحقادكم، أو أن نتأسّف لكم على كل إنجاز حقّقناه وأزعجكم، أو أن نترك مشروعاتنا وننصرف إلى استرضاء حساباتكم التي تقتات على شتمنا والتطاول علينا وعلى مملكتنا؟

لقد ضقنا ذرعًا بتكالبكم الوقح هذا، وبألسنتكم السليطة التي تستسهل الإساءة إلينا، ثم تصرخ مُناديةً بالاحترام حين نرد عليكم الصاع صاعين، وكأن كرامتكم مصونة، وكرامتنا مباحة لكل من أراد أن يرفع عدد متابعيه على حسابنا وحساب وطننا.

من أصقاع العالم تتكالب على بلادنا الحسابات المجهولة والمنتحلة لأسمائنا وأسماء الجهات العاملة لدينا، تحمل غضبها وفشلها وأحقادها، وتبحث في أخبارنا عما يُقتطع ويُحرَّف، ولا يعنيها فهمٌ ولا مصداقية.

المهم أن نظل في مرمى اتهاماتها، وأن ننشغل بالدفاع الدائم عمّا هو جليّ وثابت؛ أمّا أن نحب وطننا، ونعتز بقيادتنا، ونعبّر عن مشاعرنا بلا إذن منهم، فهذا حقٌّ مشروعٌ لنا لا يقبل الجدل.

ماذا تريدون منا ومن بلادنا؟ أن نُعطّل حياتنا من أجلكم حتى تزول أحقادكم، أو أن نتأسّف لكم على كل إنجاز أنجزناه يزعجكم، أو أن نترك مشروعاتنا وننصرف إلى استرضاء حساباتكم التي تقتات على شتمنا والتطاول علينا وعلى مملكتنا؟

نعم، نحن جبل طويق، ولهذا يؤلمكم ثباتنا، وتريدون أن نتزعزع مع كل حملة، وأن ننقسم مع كل إشاعة، وأن تتعالى أصواتنا على بعضنا حتى تستريحوا لرؤية وطن يتآكل من داخله.

وحين تجدوننا متّحدين في الدفاع عن بلادنا، تبدأون في مهاجمة تماسكنا، وتسخرون من ولائنا، وتطعنون في سلامة عقولنا؛ لأن السعودي عندكم لا يصبح عاقلًا إلا حين يردد ما تريدون سماعه من هرطقاتكم وهرطقات المعارضين التافهة.

نحن شعب نشبّه صلابتنا بطويق العظيم؛ لأننا نعرف معنى أن نبقى ثابتين حين تحاول الظروف اقتلاعنا، وأن نُمسك أنفسنا حين تحاول الضغوط إرغامنا على الانحناء. جبلنا هذا من أرضنا ومن دمنا، وليس جبلًا عاديًّا؛ نرى في رسوخه ما نريده لأنفسنا، ونقرأ في شموخه ردًّا على من يتوهّم أن نعيقه سيُسقطه ويكسرنا.

لقد تعلّمنا أن الوطن لا يحفظه من يكتفي بالمشاهدة دون مشاركة، ولا يحميه من يغيّر موقفه كلما تغيّرت اتجاهات الرياح. يحفظه أناس يعرفون قيمته، ويدركون أن الخلاف في التفاصيل لا يسوّغ العبث به، وأن أمننا وكرامتنا وسيادتنا أكبر من خصوماتنا الشخصية، وأثمن من أيّ انتصار شخصي في نقاش نريد من ورائه التصفيق ولو دفعنا الثمن.

لكن ما يثير الغضب حقًّا هذا الجحود الذي صار بعضهم يمارسه دون ذرة خجل؛ نمدّ أيدينا إليهم، فيبحثون عن موضع ليعضّوها، ونقف معهم، فيفتّشون عن تهم يرموننا بها، ونحسن إليهم، فيفسّرون إحساننا ضعفًا، ثم يعودون عند حاجتهم كأن ذاكرتهم ذاكرة ذبابة، وكأن الإساءة التي ملؤوا بها المنصات لم تصدر عنهم بالأمس.

كأننا لم نمدّ لهم يدًا كان يجدر بهم أن يقبّلوها تقديرًا لما حملته لهم من خير، فإذا بهم يعضّونها، ويزايدون عليها، ويحاكمون نياتنا؛ ولسنا نطلب من أحد أن يهين نفسه بين أيدينا أو من أجلنا، لكننا نرفض أن يتحول ترفّعنا عن المنّ إلى فرصة لطمس معروفنا، وأن يُتخذ صمتنا عن ذكر ما قدمنا تصريحًا لهم بكتابة تاريخنا على هواهم.

ومن الوقاحة أن يعدّ بعضهم وقوفنا معهم أمرًا مسلّمًا به لا يستحق الشكر، وأن يعدّ أي قرار نتخذه لحماية مصالحنا عدوانًا يستوجب سبّنا؛ يريدون خيرنا حاضرًا في أوقات حاجتهم، ورأينا مغيّبًا عند اختلافهم معنا، وأموالنا مباحة لهم ولغيرهم، وقرارنا مرهونًا برضاهم وغضبهم؛ فأي علاقة هذه التي تمنحهم حق المطالبة، وتحرمنا حق الاعتراض على سوء الأدب؟

نحن لسنا مسؤولين عن إصلاح كل خراب تركه حكامهم خلفهم، ولا عن دفع فواتير كل مغامرة لم يقدّر عواقبها. من أراد أن يسأل عن أسباب مأساته فليبدأ بمن صنعها، ومن بدّد فرصه في الحياة الكريمة فليواجه من بدّدها، بدلًا من أن يقفز فوق ظهورنا، ويأتي إلينا محمّلًا باتهامات جاهزة، ثم يغضب لأننا نرفض تحمّل أخطائه.

ولن نسمح لمن أساء إلينا أن يتوارى خلف شعب كامل؛ نحن نعرف المنصفين، ونحفظ لأهل الودّ مكانتهم، ولا نحمّل الآخرين أوزار حسابات وقحة تتاجر بأسمائهم، لكننا نرفض أيضًا أن يتحول احترامنا للشعوب إلى غطاء يحتمي به المسيئون، فيشتموننا باسمهم، ويستدعون اسم شعبهم حين نواجههم بما قالوا، كأن المطلوب أن نصمت مهما تمادوا.

ومن أراد نقد موقف سعودي فليأت بكلام يعرف معناه، ووقائع يستطيع إثباتها، واستعداد للاعتراف بالخطأ حين يظهر له؛ أما أن يقذف الاتهام، ويتهرّب من الإجابة، وينتقل من كذبة إلى أخرى، ثم يطالبنا باحترام رأيه، فليعرف أننا سنرد على اتهاماته بقوة، وأن الكذب لا يصبح وجهة نظر بكثرة تكراره، وأن التحريض لا ينال حصانة لمجرد كتابته من وراء شاشة.

لقد طال استسهال الإساءة إلينا، وطال اختبار صبرنا، وطال الخلط بين طيبتنا وضعفنا؛ ومن عاداتنا إكرام الضيف، وحفظ الود، وتقدير المعروف، لكننا لا نقبل أن تُستعمل أخلاقنا ضدنا، ولا أن يصبح حرصنا على احترام الشعوب حبلًا يشدون به أعناقنا كلما أرادوا انتزاع موقف لا نريده، أو إسكات كلمة يجب أن نقولها دفاعًا عن بلادنا.

وقوة السعودي لا تقف عند قدرته على الرد؛ فقوتنا في أن نواصل حياتنا، ونؤدي أعمالنا، ونربي أبناءنا على الاعتزاز بوطنهم، ونواجه أوجه القصور التي تضر بنا؛ ولا يمكننا خدمة مملكتنا إذا اكتفينا بالغضب، ثم أهملنا مسؤولياتنا، ولن نحمي منجزاتها إذا صفقنا للمخطئ الذي يتبنّى المبدأ نفسه؛ فالوطن يحتاج الصادق الأمين بقدر حاجته إلى المدافع الشجاع.

ومن هنا ندرك معنى طويق العظيم: رسوخٌ لا تهزّه حملات إعلامية حاقدة، وقامةٌ لا تنحني لمن ضاق بنا ذرعًا؛ ونحرص على غرس هذا الثبات في أبنائنا، فلا نترك لمغرّد أن يصادر وعينا، ولا لحملة أن تستنزف أعصابنا، ولا لخصم أن يستدرجنا إلى الإساءة لأنفسنا؛ نواجهه بحزم، ونفضح افتراءه، ونتركه عاريًا أمام أقواله، ثم نمضي إلى ما ينفعنا ويخدم وطننا.

لن نخجل من سعوديتنا حتى ترتاحوا، ولن نخفض رؤوسنا حتى تشعروا أنكم أعلى منا، ولن نتنكر لقيادتنا حتى تمنحونا ألقاب الحكمة والكرامة والوطنية والشجاعة؛ احتفظوا بشهاداتكم لأنفسكم؛ فنحن نعرف بلادنا، ونعرف ما تعنيه لنا، ونعرف أن الذي يبيع انتماءه طلبًا لرضاكم سيظل واقفًا ذليلًا عند أبوابكم، ينتظر صدقتكم كلما طلبتم منه إساءةً جديدة.

هذا وطننا، نحبه حين تشتد الحملات عليه، ونزداد تمسكًا به حين تحاولون انتزاعه من قلوبنا؛ ونحن كطويق، لا نطأطئ هاماتنا أمام من يسعى إلى كسر إرادتنا، ولا نترك قرارنا لمن يتمنى سقوطنا. ومن ظن أن عضّ اليد التي امتدت إليه سيرغمنا على الانحناء، فليعرف أن للمعروف أهله، وللكرامة رجالها، وأننا سنبقى واقفين مهما أتعبكم وقوفنا. فهذه هي سعوديتنا: نحبها، ونحميها، ولا نساوم عليها مهما تكاثرت علينا الحملات.

كاتب رأي

#نحن_طويق

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.