كُتاب الرأي

مثقفون بلا ثقافة

مثقفون بلا ثقافة

محمد الفريدي

في إحدى الندوات الثقافية التي حضرتها، كان أحدهم يتحدث طويلًا عن احترام الاختلاف وضرورة تقبُّل المثقف وجهات نظر الآخرين، وعندما انتهت الندوة، اقترب منه شاب خالفه في إحدى أفكاره وناقشه بهدوء من دون إساءة أو انتقاص، فتغيّر وجه الباشا، وارتفع صوته، وتحوّل خلال دقائق إلى شخص منفعِل لمجرد الاختلاف معه.

خرج الشاب والمثقف الكَذَّابُ، وبقي السؤال في رأسي: كيف يستطيع هذا أن يتحدث ساعةً عن مبادئ لا تصمد خمس دقائق أمام الاختلاف؟

عندها أدركت أن مشكلتنا ليست في نقص الكتب، ولا في قلة الندوات والمنابر، وإنما في شيء أخطر: أن يتشدق المثقف بالقيم، ثم يناقضها بسلوكه؛ فما قيمة ثقافة لا تستوعب سؤالَ شابٍّ، ولا تصمد أمام رأي مخالف؟

لدينا اليوم حراك ثقافي واسع، ومعارض كتب وندوات وأمسيات وصالونات ونوادٍ أدبية وورش عمل ومنصات للنشر، ومساحات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، وأسماء كثيرة تتصدر الساحة وتتحدث باسم الفكر والتنوير.

لكن هذا الزخم لا يعني بالضرورة أننا أمام حالة ثقافية صحية، وكثرة حاملي صفة المثقف بيننا لا تعني أن القيم حاضرة في سلوكنا؛ فقد يكون ظهورنا واسعًا في وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل والمنتديات، وفكرنا ضحلٌ لا يوازي حجم حضورنا.

المملكة اليوم تعيش حالة تحوّل ثقافي كبير، وفتحت أبوابها أمام الكتّاب والأدباء والمفكرين والفنانين، ووفّرت لهم مؤسسات وفعاليات وفرصًا غير مسبوقة؛ وهذا الانفتاح يحمّل المثقف مسؤولية أن يرتقي بفكره وسلوكه إلى مستوى هذه الفرص، لا أن يستغلها في الاستعراض وتلميع صورته.

ليس كل من ألّف كتابًا أو كتابين أو عشرةً مثقفًا، وليس كل من صعد منصةً صاحبَ فكر، وليس كل من عرف أسماء الفلاسفة قادرًا على فهم النفس البشرية؛ والشهادة وحدها لا تصنع الوعي، وكثرة القراءة لا تكفي، والمصطلحات المعقدة لا تمنح صاحبها حصانة فكرية؛ وقد نجد شخصًا يتحدث ساعات عن الحرية والتسامح والتنوير، ويسقط عند أول اختبار حقيقي للمبادئ التي ينادي بها.

الثقافة الحقيقية تُختبر عندما نختلف مع غيرنا، لا عندما يتفق معنا: عندما ينتقدنا شخص لا نحبه، وينجح منافسنا، ونخسر فرصةً كنا نريدها، ويتقدم علينا شخص كنا نرى أنفسنا أحقَّ منه؛ هنا تسقط الكلمات الكبيرة، وتنكشف حقيقة المثقف التي كان يخفيها خلف الكتب والشهادات والندوات.

والمؤسف أننا نتحدث عن حق الاختلاف ولا نحتمل رأيًا مخالفًا، ونكتب عن التسامح ونمارس إقصاء الآخرين عند أول خلاف، ونطالب بقبول الآخر ولا نعترف به إلا إذا كان نسخةً منا، وندعو إلى النقد ثم نعدّه إساءةً عندما يُوجَّه إلينا، ونتغنّى بحرية الرأي، فإذا اختلف معنا شخصٌ بحثنا عن وسيلة لإسكاته أو النيل منه.

بعض المثقفين يريدون حرية الرأي لأنفسهم، ويفرضون الصمت على الآخرين، وهنا تظهر واحدة من أوضح صور التلوّن الثقافي؛ يطالبون بإتاحة المساحات ما داموا خارجها، فإذا دخلوها أغلقوا الباب من خلفهم، وتحولوا إلى حراس يحتكرون المنابر، ويقررون من يحق له الكلام ومن يجب عليه أن يصمت، ويهاجمون احتكار المنابر حتى يحصلوا على موطئ قدم في أحدها، ثم يصبحون من أشد المدافعين عن هذا الاحتكار، وينتقدون تكرار الأسماء إلى أن تصبح أسماؤهم من بينها، وعندها لا يرون في الأمر مشكلة.

أي ثقافة هذه؟ وما فائدة أن نقرأ مئات الكتب إذا لم تُعلّمنا كيف نحترم من يختلف معنا؟ وما قيمة أن نحفظ نظريات وأقوال الفلاسفة إذا لم نستطع تجاوز غيرتنا من نجاح الآخرين؟ وما جدوى ثقافة تملأ عقولنا بالمعلومات، وتترك نفوسنا أسيرةً للغرور والحسد؟

وكيف نتحدث عن النضج الفكري ونحن نُصفّي حساباتنا الشخصية تحت عنوان النقد الثقافي؟ وكيف ندّعي احترام المثقف إذا كان أول ما نفعله عند الخصومة محاولة إسقاطه؟ وأي نقد هذا الذي يترك الفكرة ويستهدف من يطرحها؟

المشكلة أن الثقافة لدى البعض تحولت من مسؤولية إلى وجاهة؛ وأصبح اللقب أهم من الفكرة، والظهور أهم من الأثر، والصورة أهم من المحتوى، والعلاقات أهم من الكفاءة، وبعضهم يسعى إلى التواجد في كل مناسبة، وعلى كل منصة، وفي كل صورة، وكأن الثقافة وظيفة علاقات عامة، وليست مشروعًا لبناء المواطن والوطن.

وهناك من دخل هذا المجال أصلًا من دون أن تكون لديه رؤية فكرية واضحة أو قضية يؤمن بها، وكل ما يريده أن يُعرَف ويُدعى ويُصفَّق له، وأن يتصدر اسمه المشهد الثقافي؛ وعندما تُستغل الثقافة للوجاهة وتعويض الشعور بالنقص، يتحول الآخرون في نظره إلى منافسين، ونجاحهم إلى تهديد، ونقدهم إلى انتقام، فلا يرى في المختلف معه صاحب رأي، وإنما خصمًا يجب إقصاؤه من الساحة.

ومن هنا تبدأ الشللية الثقافية: مجموعات مغلقة تتبادل الدعوات والمديح والفرص، ويكتب أفرادها عن بعضهم، ويحتفون ببعضهم، ويدافعون عن بعضهم، وكأن الوسط الثقافي حكرٌ عليهم، فيُقدَّم شخص لمجرد أنه داخل دائرتهم، ويُهمَّش آخر لأنه خارجها، وقد يكون الثاني أكثر موهبةً وفكرًا وعطاءً، فتُمنح الفرص على أساس القرب والبعد، وتتراجع قيمة الموهبة والكفاءة، وتخسر ساحتنا الثقافية أقلامًا جديرة بالقراءة والمتابعة.

ولنسأل أنفسنا بصراحة: لماذا تتكرر بعض الأسماء في الندوات والملتقيات والمناسبات واللقاءات؟ أين الأصوات الجديدة؟ أين المثقف الذي يقف خارج شبكة علاقاتنا؟ وكم موهبةٍ بقيت بعيدةً عن الضوء، لا لأنها أقل كفاءة، وإنما لأنها ليست جزءًا من دوائرنا المغلقة؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة أحد، وإنما تحمي ساحتنا الثقافية من التحول إلى دوائر مغلقة تعيد إنتاج الأسماء نفسها، حتى يظن الناس أن الوطن لا يملك أسماءً غيرها تستحق الظهور.

والأخطر أن خصوماتنا ترتدي بوقاحة لباس النقد الثقافي؛ فلا نملك شجاعة الاعتراف بأننا نكره فلانًا أو نغار من نجاحه، فنختبئ خلف الكلمات الكبيرة، ونحوّل الحقد إلى نقد، والغيرة إلى موقف، والإقصاء إلى دفاع عن الجودة، والشللية إلى مشروع ثقافي، وتصفية الحسابات إلى اختلاف فكري، ثم نقف أمام الناس بقناع المثقف، ونمارس خلفه كل هذا الانحطاط.

ولدينا مثقفون حقيقيون يستحقون الاحترام؛ يعملون بصمت، ويكتبون بوعي، ويختلفون بأدب، ويفرحون بالأقلام الجديدة، ولا يخشون أن يتقدم عليهم جيل آخر. هؤلاء من تحتاج إليهم ساحتنا؛ فالمثقف الواثق لا يرى نجاح غيره تهديدًا له، ولا يحتاج إلى إسقاط أحد ليثبت وجوده. أما من لا يعيش إلا بإقصاء الآخرين، فليس مثقفًا، وإنما خائف يرتدي قناع الثقافة حتى يخفي خواءه.

ولا تخلو ساحتنا ممن حوّل ثقافتنا إلى سوق رخيصة للمصالح؛ يتملق من يملك منصة أو صحيفة، ويهجره فور أن يفقد مكانته وتأثيره، ويمدح اليوم ما كان يهاجمه بالأمس، ويغيّر مواقفه كلما تغيّرت مصلحته. هذا ليس مثقفًا، وإنما انتهازي يتنقل بين الأبواب بحثًا عن مقعد وصورة ودعوة؛ ولا يحتاج إلى مزيد من القراءة، وإنما إلى مبدأ ثابت وشيء من احترام النفس قبل أن يطالب الناس باحترامه.

ومؤسساتنا الثقافية ليست خارج دائرة المساءلة؛ فلا يكفي أن تقيس نجاحها بعدد الفعاليات والندوات، وعدد صور المثقفين وأخبارهم المنشورة؛ فماذا أنتجت لنا بهذه الصور والأخبار؟ وما المواهب التي اكتشفتها؟ وما الأفكار الجديدة التي أطلقتها؟ وكم موهبةً منحتها فرصةً حقيقيةً؟ وهل وسّعت دائرة المشاركة، أم أعادت تدوير أسماء من في الدائرة نفسها فقط؟

إذا كانت المنصات الثقافية أو الصحف تستقطب الوجوه نفسها عامًا بعد عام، فالمشكلة ليست في نقص المثقفين، وإنما في طريقة اختيارهم؛ وإذا بقيت الفرص تدور داخل الدوائر المغلقة ذاتها، فسوف نخسر أقلامًا تستحق أن تُقرأ ولم تأخذ فرصتها، ونزرع لدى الأجيال الجديدة قناعةً خطيرةً بأن الطريق إلى الشهرة يمر عبر المؤثرين والعلاقات، لا عبر الموهبة والعمل والإنتاج.

ولا يمكن كذلك أن نطالب المؤسسات الثقافية والصحفية بالتجديد، بينما يحارب بعض المثقفين كل اسم جديد؛ يطالبون بفتح الأبواب حتى يدخلوا، ثم يغلقونها خلفهم، ويريدون الفرص لأنفسهم، ويستاؤون عندما يحصل عليها غيرهم، ويتحدثون عن تمكين الشباب، ثم يرون في كل اسم جديد تهديدًا لمكانتهم؛ فكيف نبني ساحةً ثقافيةً وصحفيةً متجددةً بعقلية تخشى المنافسة؟

الساحة الثقافية اليوم أمام فرصة تاريخية؛ فلدينا وطن يتحرك بسرعة، ومجتمع يتغير، وجيل جديد أكثر انفتاحًا على العالم، وتحديات فكرية واجتماعية وثقافية تحتاج إلى عقول قادرة على المواجهة، وآخر ما نحتاج إليه أن تتحول ثقافتنا إلى مجالس للمديح، ومعارك شخصية، وتبادل للمنافع، وصراع على المقاعد والصور.

نحتاج إلى مثقف يناقش الفكرة بالفكرة، ويستطيع أن يقول لمن يحب: أخطأت، ولمن يختلف معه: أصبت؛ ولا تتغير مبادئه بتغيّر الأسماء والمواقع والمصالح، ولا يستخدم قلمه للانتقام، ولا علاقاته لإقصاء الآخرين، ولا يحتاج إلى تشويه كاتب ناجح حتى يشعر أنه موجود.

الثقافة ليست في عدد الكتب التي تظهر خلفنا في الصور، ولا في عدد الدعوات التي تصل إلينا، ولا في الألقاب التي تسبق أسماءنا، ولا في مقعد دائم في الصف الأول، وإنما هي أثرٌ يظهر في طريقة تفكيرنا وسلوكنا واحترامنا للناس، وفي قدرتنا على الاختلاف من دون إساءة، والنقد من دون تشويه، والنجاح من دون غرور، والخسارة من دون انتقام.

ولهذا، كفانا تفاخرًا بأعداد المثقفين والكتّاب والندوات والفعاليات؛ فالسؤال الذي يعرّي حقيقة ساحتنا ليس كم مثقفًا وكاتبًا لدينا، وإنما كم واحدًا منهم تظهر ثقافته وأخلاقه في سلوكه، لا في صوره وألقابه واستعراضه؟ فمن لم تهذّبه الثقافة، لا يحق له أن يتخذ لقب مثقف وسيلةً يتعالى بها على الناس.

مصيبتنا ليست في قلة من يلصقون لقب مثقف بأسمائهم، وإنما في أن بعضهم لم يتعلم أبسط أبجديات الثقافة؛ فإذا لم تجعلنا الثقافة أكثر وعيًا، وأكثر احترامًا لبعضنا البعض، وأكثر قدرةً على قبول الاختلاف، فما الذي يبقى منها؟ مجرد ألقاب، ومنصات، وصور، وكلمات كبيرة نخفي وراءها سلوكًا لا يمتّ إلى الثقافة بصلة.

الثقافة التي لا تنعكس على أخلاق صاحبها ليست ثقافة، وإنما وجهٌ مستعارٌ يخفي خواءه وغطرسته، وهذه هي الشللية الثقافية في أقبح صورها: خنقٌ متعمّد للمواهب، وإقصاءٌ فجّ لكل من لا ينتمي إلى دوائرهم، والمصيبة أنهم ما زالوا يدّعون الثقافة.

كاتب رأي

 

 

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.