أقلام ناشئة

حين تكشف المسافة الحقيقة

حين تكشف المسافة الحقيقة

نلتقي في حياتنا بأشخاص كثيرين، بعضهم يمر بنا مرورًا عابرًا، وبعضهم يترك أثرًا لا ينسى. وقد نظن أحيانًا أن كثرة الحديث والقرب كفيلان بصنع علاقة حقيقية، لكن الأيام تثبت لنا أن القرب الحقيقي لا يقاس بعدد الساعات التي نقضيها مع شخص، ولا بكثرة الكلمات التي نتبادلها معه، بل بما نشعر به في حضوره، وبما تكشفه المواقف عنه.

فالعلاقات لا تبدأ دائمًا بالراحة. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى وقت حتى يعرف من أمامه، ويفهم طريقته في التعامل، ويكتشف إن كان يستطيع أن يكون على طبيعته معه أم لا. وهذا أمر طبيعي ،فالثقة لا تُمنح دفعة واحدة، والراحة لا يمكن إجبار القلب عليها.

وقد يظن البعض أن الشخص الهادئ في بداية التعارف لا يحب الحديث أو لا يرغب في تكوين العلاقات، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا. ربما هو فقط يحتاج أن يعرف الشخص أولًا، فإذا وجد الصدق والاحترام والراحة، تغير كل شيء ،يصبح الحديث أسهل، والضحكة أصدق، والوجود أخف.

و أكثر ما يجعل العلاقات معقدة هو أننا لا نستطيع دائمًا معرفة ما وراء التصرفات. فقد تكون بعض الكلمات مجرد مجاملة، وبعض الاهتمام مجرد مصلحة، وبعض العلاقات قائمة على الاعتياد أكثر من المحبة. ومع الوقت، تبدأ المواقف الصغيرة في كشف ما لم تستطع الكلمات إخفاءه.

وليس من الضروري أن نكون قريبين من الجميع. يمكن للإنسان أن يحترم الآخرين ويعاملهم بلطف، دون أن يمنحهم المساحة نفسها في حياته. فهناك فرق بين أن نكون أشخاصًا اجتماعيين، وبين أن نفتح أبوابنا لكل من نلتقي به.

وفي المقابل، لا يعني الابتعاد عن علاقة لم تعد مريحة أن نحمل الكراهية تجاه صاحبها. أحيانًا يكون الابتعاد مجرد طريقة لحماية السلام الداخلي، خصوصًا عندما تتكرر التصرفات التي تؤذي الثقة، أو نشعر أن العلاقة لم تعد تشبه ما كنا نعتقده عنها.

ربما لا نستطيع أن نختار كل من نلتقي بهم، لكننا نستطيع أن نختار من نمنحه مكانًا حقيقيًا في حياتنا. فليست القيمة في كثرة العلاقات، وإنما في صدق القليل منها.

إن أجمل ما نتعلمه من العلاقات أن القرب ليس حقًا للجميع، وأن الثقة لا تُبنى بالكلام وحده، وأن بعض المسافات لا تعني الكراهية، بل تعني أننا عرفنا أخيرًا أين يجب أن نقف.

فليس كل من اقترب أصبح قريبًا، وليس كل من ابتعد كان خسارة؛ فبعض المسافات لا تنهي العلاقات، بل تكشف حقيقتها.

✍🏻فاطمة إبراهيم الحربي

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.