حكايتي كما عشتها

حكايتي كما عشتها
أحيانًا يظن الإنسان أن بعض الطرق تنتهي عندما تتوقف خطواته، وأن ما مضى من الوقت لا يمكن أن يعود.
وقد يظن أن السنوات التي ابتعد فيها عن حلمه أصبحت حاجزًا بينه وبين الوصول إليه.
لكنني تعلمت أن الطريق لا يُقاس بما مضى منه، بل بما نختار أن نكمله.
توقفت عن دراستي فترة من الزمن، ولم يكن هذا التوقف بيدي.
كانت هناك ظروف لم أكن أستطيع تغييرها.
ومعها مضت الأيام، وبقيت الدراسة شيئًا في داخلي لم أنسه.
وعندما جاءت لحظة العودة، لم تكن سهلة بالنسبة لي. كنت خائفة ومتوتّرة، أفكر في السنوات التي مضت، وأتساءل: هل أستطيع أن أعود؟ هل سأجد نفسي من جديد؟ هل سيكون العمر عائقًا بيني وبين المكان الذي سأعود إليه؟ وهل سأجد من يتقبلني ويشعرني أنني في مكاني؟
كان هناك من شجعني، وكان هناك من لم يشجعني. لكنني في النهاية عدت.
في البداية كان الخوف حاضرًا، وكنت أفكر كثيرًا في الأشياء التي فاتتني، وكأنها لن تعود أبدًا. لكن بعد دخولي إلى الدراسة بدأت أكتشف أن كثيرًا من مخاوفي كانت مجرد أفكار في رأسي. اكتشفت أن العمر مجرد رقم، وأن الأهم من الرقم هو أن تكون واثقًا من نفسك، وأن تؤمن بأنك تستطيع العودة إلى الشيء الذي تريده.
كما اكتشفت أشخاصًا طيبين. وربما لم يكونوا في العمر نفسه أو يحملون التفكير نفسه، لكن ذلك لم يمنع أن أجد بينهم قلوبًا جميلة، وأشخاصًا جعلوا تجربة العودة مختلفة عما كنت أتخيل.
ومع مرور الوقت بدأت أنظر إلى الأمر بطريقة أخرى. لم يعد ما مضى بالنسبة لي دليلًا على أن الطريق ضاع، بل أصبح جزءًا من الطريق الذي ما زلت أسير فيه. صحيح أن هناك أشياء كثيرة ما زالت في بالي، وأنني أحيانًا أتذكر ما حدث وأشعر بالقهر على وقت لم يكن بيدي أن أعيشه كما تمنيت، لكنني لست نادمة على العودة.
لأنني أدركت أن الإنسان لا يعرف ما كُتب له، ولا يعرف كيف ستتغير حياته، ولا أين يمكن أن يأخذه الطريق. قد نتخيل لأنفسنا طريقًا معينًا، ثم نجد أنفسنا نسير في طريق آخر تمامًا، لكن ذلك لا يعني أن الطريق الأول كان نهاية كل شيء.
اليوم عندما أنظر إلى نفسي، أرى أنني لم أتأخر عن الطريق، ولم يضع مني، بل إن طريقي ما زال مستمرًا.
ولهذا، لو كان لي أن أقول شيئًا لكل شخص يمر بظرف يجعله يتوقف عن دراسته، فسأقول له: لا تتوقف مهما كانت ظروفك ومهما كانت الصعوبات.
الدراسة مهمة، وإذا كانت الدراسة حلمًا لك فتمسّك بها، وحاول أن تعود إليها متى استطعت. لا تجعل الخوف من العمر أو كلام الناس يمنعك من إكمال الطريق.
فالعمر رقم، والظروف قد تتغير، وما نراه اليوم نهاية قد يكون بداية لشيء آخر.
أما أنا، فما زلت أسير في طريقي، وأؤمن أن ما كُتب لي سيصل إليّ في وقته.
لم أختر كل ما حدث، لكنني اخترت أن أكمل.
وهذه حكايتي، كما عشتها.
✍🏻فاطمة إبراهيم الحربي