كُتاب الرأي

حين تنتصر الخنازير

حين تنتصر الخنازير

محمد الفريدي

عندما أتأمل في التاريخ الدموي للانقلابات في بعض الدول، مثل اليمن والعراق وسوريا وليبيا وإيران وتونس والسودان والصومال، لا أعلم لِمَ أتذكر رواية (مزرعة الحيوان).

وهي الرواية التي بدأت بتمرد الحيوانات على مالك المزرعة المستبد (مستر جونز)، بعد سنوات من الظلم والإهمال والتجويع والاضطهاد.

ويتحول حلم الحرية فيها إلى صراع على النفوذ بين الخنزير (سنوبول)، صاحب التطلعات الإصلاحية، والخنزير (نابليون)، الطامح إلى الهيمنة المطلقة.

وبعد أن يُقْصِي نابليون منافسه، يشرع في إقامة نظام استبدادي جديد، مستعينًا بجهاز إعلامي يقوده الخنزير (سكويلر)، وبقوة (الكلاب) لبث الرعب في نفوس الجميع.

وتكتمل مأساة المزرعة؛ فيدفع الحِصَانُ المُخْلِصُ (بوكسر) حياته ثمنًا لثقته بالنظام، وتكتفي الفَرَسُ (كلوفر) بالحزن الطويل، ويبقى الحِمَارُ (بنيامين) يائسًا من التغيير، ومن خلال هذه الشخصيات تُجَسِّدُ الرواية كيف تنحرف الثورات، ويتحول الثورجية الجُدُدُ إلى طغاة يشبهون من ثاروا عليهم من قبل.

كتب هذه الرواية، التي صدرت عام 1945م، جورج أورويل، الكاتب والصحفي البريطاني المعروف بكتاباته السياسية ونقده للاستبداد والبروباغندا، مستوحيًا أحداثها من الثورة الروسية وصعود الزعيم السوفيتي المجرم جوزيف ستالين.

لكن المفارقة أن الرواية، رغم مرور أكثر من ثمانين عامًا على صدورها، لا تبدو كأنها تتحدث عن الماضي فقط؛ فقد تغيرت المزرعة والشخصيات والشعارات، لكن الأساليب الثورية تعيد نفسها في الحاضر إلى حد مخيف.

لا تبدأ كل الثورات بالدم، ولا تنتهي كلها بالحرية؛ فقد تبدأ أحيانًا بحلم بسيط: أن يعيش البشر بكرامة، وأن يتساووا في الحقوق والواجبات، وأن يتخلصوا من الظلم الذي أثقل كاهلهم.

ويخرج الناس على الحاكم الظالم وهم يحملون آمالًا كبيرة بمستقبل مختلف، معتقدين أن إسقاطه هو بداية الطريق نحو الحرية والعدالة، لكن الثورات لا تسير دائمًا كما يشتهي الحالمون.

تلك هي فكرة الرواية؛ حكاية تبدو في ظاهرها تدور حول حيوانات تقرر الثورة على صاحب المزرعة التي تعيش فيها بعد سنوات من الاستغلال والظلم والحرمان، لكنها في عمقها تتناول الإنسان والسلطة والرعية، والتحول المخيف عندما تنتقل الضحية من موقع المحكوم إلى موقع الحاكم.

فقد كان السَّيِّد جونز يستغل الحيوانات ويلزمها بالعمل لساعات طويلة، ولا يمنحها من الطعام ما يكفيها، فثارت عليه وطردته، لتبدأ صفحة جديدة أصبحت فيها المزرعة مِلْكًا للجميع، ووُضعت قوانين تنص على المساواة بينهم، وأن أحدًا لن يصبح سيدًا على الآخر.

كان الحلم كبيرًا، وكانت النوايا تبدو نقيّةً، وكان الجميع يعمل من أجل المزرعة ويؤمن بأن المستقبل سيكون أفضل مما كان، لكن المشكلة بدأت مع الثورة نفسها، ومع الشعارات التي رُفِعَت، ثم ظهرت المعضلة الأكبر بعد نجاحها: من يحكم المزرعة؟

وهنا بدأت القصة الحقيقية؛ فمع مرور الوقت أخذت مجموعة من الخنازير تستحوذ على القرار، وفي مقدمتها الخنزير (نابليون)، الذي لم يحتج إلى أن يعلن نفسه طاغية منذ البداية؛ فالطغيان نادرًا ما يدخل من الباب وهو يحمل لافتة تعلن الاستبداد، وإنما يأتي متخفيًا في صورة ضرورة أو مصلحة عامة أو حماية للثورة أو خوف من عودة الماضي.

بدأت السلطة تَكْبُرُ، وتتسع معها المسافة بين الثوار الذين أصبحوا حكامًا وبين من يكدحون؛ فالحيوانات تتعب في الحقول وتبذل مزيدًا من الجهد من أجل مستقبل المزرعة، والخنازير، وهي الطبقة الحاكمة الجديدة، تقترب أكثر فأكثر من الامتيازات التي كانت يومًا سببًا في قيام الثورة، وصارت القوانين تتغير بتعديل كلمة هنا وجملة هناك.

وأُعيد تفسير الشعارات القديمة، حتى أضحى الماضي نفسه قابلًا لإعادة الكتابة ليتماشى مع رغبات الطبقة الحاكمة، وهذه واحدة من أخطر الأفكار التي تطرحها الرواية؛ فعندما يمتلك الثائرون بعد وصولهم إلى الحكم القدرة على التحكم في التاريخ والقوانين، يصبح من السهل عليهم السيطرة على الحاضر وتوجيه المستقبل وفق ما يخدم مصالحهم.

فوعي الناس لا يتشكل من الحقيقة وحدها، وإنما أيضًا مما يُزرع في ذاكرتهم عنها؛ فإذا استطاع الحاكم أن يقنعهم بأن ما حدث بالأمس لم يحدث، وأن ما قاله لم يقله، وأن معاناتهم ضرورية من أجل مستقبل أفضل، فإنه يستطيع أن يطيل عمر سلطته، حتى لو كانت حياتهم تَتَدَهْوَرُ.

وفي (مزرعة الحيوان)، لم تعد الحقيقة هي ما تراه الحيوانات بأعينها، وإنما ما يقوله لها الثوار الذين أصبحوا حُكّامًا؛ فإذا شعرت بالتعب، قالوا لها إنها تعيش حياة أفضل مما كانت عليه، وإذا تذكرت وعدًا قديمًا، قالوا لها إنها لم تفهمه جيدًا، وإذا سألت عن امتيازات القادة، قالوا لها إن تلك الامتيازات ضرورية من أجل حماية الجميع.

ومن هنا تبدأ الكذبة صغيرة، ثم تَكْبُرُ حتى تتحول إلى حقيقة راسخة، ثم يأتي جيل جديد لا يدرك أن ما سمعه طوال حياته لم يكن سوى كِذْبَة، فيترسخ خضوعه للطبقة الحاكمة الجديدة، وتكتمل دائرة السيطرة على العقول.

لكن ما جعل الرواية مؤلمة هو أن الضحايا أنفسهم ظلّوا يؤمنون بما يرويه لهم الثورجية، ويرون التناقض بين ما حَلِمُوا به وما يعيشونه، لكنهم كانوا يجدون دائمًا من يقنعهم بأن ما يحدث مرحلة مؤقتة، وأن الغد سيعيد إليهم ما فَقَدُوه.

ولا يحتاج الثورجية دائمًا إلى القوة وحدها، فيكفي أن يجعلوا الناس ينتظرون تَحَسُّن أحوالهم، والوفاء بالوعود، وتحقيق الأهداف التي ضحوا من أجلها، وكلما طال انتظارهم، أصبح من الصعب عليهم الاعتراف بأن حلمهم الذي دافعوا عنه قد اخْتُطِفَ في الطريق.

وهنا تظهر مأساة الناس الذين ظلوا يعملون حتى النهاية، ويؤمنون بأن المزيد من الجهد هو الحل، وأن الإخلاص للمزرعة سيصلح كل شيء، دون أن يدركوا أن المشكلة لم تعد في قلة العمل، وإنما في الجهة التي تذهب إليها ثمرة هذا العمل؛ فقد كانوا يبنون وغيرهم يحصدون، وكانوا يُضَحُّونَ وغيرهم يأمرون.

وكانوا يصبرون، وتنهال المصائب فوق رؤوسهم، حتى أصبح ثمن صبرهم مزيدًا من المعاناة، وهنا وضع أورويل أمامنا قبل ثمانية عقود سؤالًا مؤلمًا: كم مرة يمكن أن يتحول الإخلاص إلى وسيلة يُستغل بها المخلص، وكم مرة يواصل المخدوع الدفاع عن فكرة، رغم أن الذين يدافعون عنها لم يعودوا يؤمنون بها؟

لأن أخطر ما في القصة أن الخيانة لم تأتِ من خارج المزرعة أو من عدو جاء ليهدمها، وإنما خرجت من قلب الثورة ذاتها، من أولئك الذين رفعوا شعار المساواة وصاروا أبعد الناس عنها عندما وصلوا إلى السلطة.

وقطعوا وعودًا بالحرية، ثم تحولوا إلى أوصياء يفرضون على سكان المزرعة ما يقولونه وما يصدقونه وما يفعلونه، حتى أصبح حقهم في التفكير أخطر ما تخشاه السلطة، والحلم الذي وحّدهم في البداية تحوّل تدريجيًا إلى أداة في يد قلة.

وهنا يمكن فهم امتداد الرواية في عالم السياسة حتى اليوم؛ فالثورات تبدأ عادة بشعارات كبيرة كالإصلاح والعدالة ومحاربة الفساد وحماية الشعب واستعادة الحقوق، لكن أورويل لم يكن منشغلًا بالسؤال: ما الشعار المرفوع؟

وإنما كان سؤاله: ماذا سيحدث بعد الثورة؟ وهل تغيرت قواعد اللعبة فعلًا، أم تغير اللاعبون فقط؟ وهل أصبح المواطنون أكثر قدرة على محاسبة المسؤولين، أم أصبحوا مطالبين بالتصفيق للحاكم الجديد؟ وهل اختفت الامتيازات، أم انتقلت من يد إلى أخرى؟

وهنا يصل أورويل بصراحة إلى أن الثورات لا تنجح لمجرد إطاحتها بمن كان في السلطة؛ فالوجوه والأنظمة والشعارات تتغير، وتبقى الثورات على منطقها القديم، والمشكلة ليست دائمًا فيمن يجلس على الكرسي، وإنما فيما يفعله بالكرسي عندما يصل إليه.

فكم من ثورة بدأت بشعار الحرية والمساواة ثم انتهت بمقابر جماعية وسجون، وكم من قائد جاء باسم الشعب ثم أصبح الشعب مجرد وسيلة لتبرير بقائه، وكم من نظام وعد بالمساواة ثم صنع طبقة جديدة أكثر نفوذًا من الطبقة التي أسقطها!

أخطر ما في الرواية أن الخنزير نابليون لا يتحول إلى ديكتاتور بين ليلة وضحاها، وإنما يبدأ الأمر بخطوات صغيرة: خصم سياسي يصبح خائنًا، وقانون يتغير تدريجيًا، وتجاوز يتحول إلى عادة، وإعلام يجد تبريرًا لكل شيء، وخوف يدفع الآخرين إلى الصمت، حتى يصبح إبداء الرأي جريمة تستحق العقاب؛ فالمشكلة ليست في الكلمات الجميلة التي تقال في البدايات.

فكل سلطة تريد الاستمرار تعرف كيف ترفع شعارات العدالة والأمن والمصلحة العامة والحرية والكرامة والحقوق، وتبدأ المشكلة عندما تصبح هذه الكلمات بديلًا عن الحقيقة، وعندما يتحول النقد إلى خيانة، والسؤال إلى جريمة، والاختلاف إلى تهديد، ويصبح الدفاع عن الحاكم الجديد دفاعًا عن الوطن، والدفاع عن السلطة دفاعًا عن الشعب، فلا أحد يعرف أين انتهى الحلم وأين بدأ الاستبداد.

وربما كانت العبارة الأكثر قسوة في الرواية هي تلك التي انتهت إليها حكاية المزرعة؛ فبعد سنوات من الثورة لم تعد الحيوانات قادرة على التمييز بين الخنازير والبشر، وهذا هو الفشل الحقيقي؛ فالثورة انتصرت في البداية، والظالم القديم لم يعد إلى الحكم.

لكن الذين جاءوا لإسقاط الظلم أعادوا إنتاجه بصورة جديدة؛ فتغيرت الوجوه، لكن لم يتغير الواقع، وتغيرت الشعارات، لكن بقي الاستغلال، وتغير اسم الراعي، لكن الحيوانات بقيت تعمل وتتعب وتنتظر مستقبلًا لن يأتي.

وهنا تكمن الرسالة التي جعلت (مزرعة الحيوان) رواية تتجاوز زمانها ومكانها؛ فالخطر لا يكمن فقط في الطغاة الذين نمقتهم، وإنما في إمكانية أن نصنع طغاة آخرين ونحن نحتفل بإسقاط القدامى؛ فلا يُعقل أن نسقط الحاكم المستبد ونترك النظام الذي يسمح لأي شخص بعده بأن يصبح نسخة منه.

ولا يُعقل أن نرفع شعار المساواة، وهناك فئة ترى نفسها أذكى وأحق وأرفع من الآخرين، ولا يُعقل أن نتحدث عن الحرية، وهي متاحة فقط لمن يهادنوننا؛ فالحرية المشروطة بالولاء ليست سوى عبودية مُقَنَّعَةٍ، وتغيير الوجوه وحده لا يكفي ما دامت القواعد التي تُعِيدُ إنتاج الاستبداد باقية على حالها.

والدرس الأهم الذي تتركه لنا الرواية أن السلطة ليست اختبارًا سهلًا لأحد، فكثيرون يستطيعون الحديث عن الظلم وهم خارجه والدعوة لإزالته، لكنَّ قليلين فقط يستطيعون كبح جماحها عندما تصبح أدواتها بين أيديهم؛ فالإنسان قد يلعن السَّوْطَ وهو يتلقى ضرباته، ثم يمسك به عندما يصبح صاحب السلطة، ويجلد الناس حتى يوجعهم.

ولهذا فإن أخطر ما تحذر منه (مزرعة الحيوان) ليس سقوط حاكم وصعود آخر، وإنما أن يتحول المنقذ نفسه إلى نسخة ممن أنقذ الناس منه؛ فقد تسقط المزرعة صاحبها القديم، وتحتفل الحيوانات بانتصارها، وترفع راياتها الجديدة، ثم تكتشف بعد سنوات أن السَّوْطَ لم يختفِ، وإنما تغيرت اليد التي تمسك به.

وهنا يعود السؤال الذي تركه أورويل مفتوحًا أمام كل من يقرأ روايته: هل تغيرت الأنظمة الاستبدادية في تلك الدول فعلًا، أم تغيرت أسماء أصحاب المزارع فقط؟ فأخطر ثورات الثورجيين العرب ليست تلك التي تفشل قبل أن تنتصر، وإنما تلك التي تنجح في إسقاط الماضي، ثم تعود لِتَبْنِيَهُ بأيدٍ جديدة وشعارات جديدة، وتمهّد الطريق لثورات تحكمنا بها الخنازير.

كاتب رأي

 

 

 

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.