المثقف حين يخذل وطنه

المثقف حين يخذل وطنه
محمد الفريدي
في إحدى الأمسيات، دخل شاب قاعةً تتلألأ فيها الأضواء، وتصطف أمام منصتها الكاميرات؛ جلس في الصف الأخير، وراح يتابع صاحبنا على المنصة وهو يقلّب أوراقه بثقة؛ وبعد قليل، نهض رجل وغادر، ثم تبعته امرأة، ثم أُغلق الباب بهدوء خلف آخر الحاضرين، فيما لم يتوقف صاحبنا عن الحديث ولم يلاحظ أن المقاعد خلت من أصحابها؛ وعند انتهاء الأمسية، بقيت على الطاولة ورقة صغيرة كتب عليها الشاب سؤالًا لم تتح له فرصة طرحه، فطواها ووضعها في جيبه ومضى إلى الشارع، فيما ظل الميكروفون مفتوحًا يلتقط صدى القاعة.
لم تعد مشكلتنا في قلة الكتب، ولا في انعدام منابرنا، ولا في انشغالنا عمّا يقدّمه مثقفونا؛ المشكلة أن بعض من تصدّروا الساحة الثقافية أقاموا بينهم وبين محيطهم جدرانًا من التعالي، ثم راحوا يشتكون من أن الناس لا يهتمون بأفكارهم، ويطالبونهم بتبنّيها، مع أنهم لم يصغوا إلى قضايا مجتمعهم.
يطلبون من الآخرين أن يحترموهم قبل أن يقدّموا ما يستحق هذا الاحترام، ويحسبون أن الظهور وحده يمنحهم قيمة ثقافية، وينتظرون أن يحتفي بهم القرّاء والمنصات قبل أن يطّلعوا على أفكارهم؛ فإذا لم يجدوا ذلك، اتهموا مجتمعنا بأنه لا يقرأ، واتهموا هذا الجيل بأنه لا يفهم، وزعموا أن ذائقة الجيل القديم تراجعت، من غير أن يسأل أحدهم نفسه: ماذا قدّمتُ حتى ينصت إليّ الناس؟
المثقف الذي نحتاجه ليس متحدثًا يتقن تكديس المصطلحات في حديثه، ولا كاتبًا يظن أن غموض عباراته دليل على عمق فكره؛ نحتاج إنسانًا يعرف بلاده جيدًا، ويقرأ تحوّلاتها بعين مفتوحة، ويملك شجاعة الاقتراب من واقعها من دون خوف أو تملّق، فالمعرفة التي لا تمس حياة الناس تبقى حبيسة الورق، والثقافة التي لا تساعد مجتمعنا على الفهم تصبح زينة في واجهة لا أكثر.
وقد اتسعت أمام مثقفينا اليوم أبواب المشاركة والتأثير، لكن اتساع الأبواب لم يضمن جودة ما يُقدَّم من خلالها، وصار الكلام متاحًا للجميع، والمنصات ترفع اسم صاحب المقال السريع، وتمنح مساحةً أوسع لمن يجيد إثارة الجدل، حتى تقدّمت سرعة الانتشار على عمق الأفكار، وصارت كثافة الحضور الإعلامي معيارًا للحكم على المثقف، لا جودة طرحه وما يقدّمه من وعي ومعرفة.
وهنا يبرز دور المثقف: أن يفرّق بين لفت الأنظار وإثراء الفكر، وبين كسب الشهرة والإسهام في نهضة الثقافة، وبين رأي يُطلَق في لحظة غضب وموقف يستند إلى معرفة ومسؤولية؛ غير أن بعض المثقفين اختاروا الطريق الأسهل، فراحوا يلاحقون كل موجة، ويستعيرون مفرداتها، ثم يدّعون أنهم قادةُ الثقافة والإعلام.
أي قيادة هذه التي لا تعرف ما الذي يستحق النقاش؟ وأي استقلال فكري هذا الذي يكتفي بإعادة إنتاج مقولات مستهلكة، ثم يطلب من الناس أن يصفقوا له؟ من حق المثقف أن يتعلم من تجارب العالم، وأن يقرأ منجزاته، وأن يناقش أفكاره من دون عقد أو انغلاق.
لكن علينا أن نفكر بعقولنا، وأن نمحّص ما نقرؤه انطلاقًا من واقع بلادنا، وأن نميّز بين فكرة نافعة وسلعة فكرية رخيصة جرى تسويقها بلباس أنيق؛ فالاقتباس ليس عيبًا؛ العيب أن نُسلِّم عقولنا لغيرنا، ونقبل أفكارهم من غير أن نسأل عن قيمتها وجدواها، ثم نكررها كأنها من بنات أفكارنا.
وليس انتماؤنا إلى بلادنا قيدًا على عقولنا، ولا جواز سفر يمنعنا من الوقوع في الخطأ. على العكس، انتماؤنا يحمّلنا مسؤولية مضاعفة؛ والمخلص لوطنه يشارك في بنائه، ويحرص على معالجة ما يعيق تقدمه، ولا يحوّل النقد إلى عداوة، ولا يستبدل الحقائق بالشعارات الفارغة.
ويقول ما يعرف، ويتثبّت مما ينقل، ويحدد موضع القصور، ويقدّم مصلحة بلاده على رغبته في الظهور. أما أن يجعل الإساءة دليلًا على استقلاله، وأن يحسب مخالفة سياستها دليلًا على شجاعته، فهذه مزايدة لا تخدم فكرة ولا تنصف مجتمعًا ولا تُعلي شأن الوطن.
وفي المقابل، لا يحق لأحد أن يطالبنا بالصمت لتأكيد انتمائنا، أو أن يطالبنا بتجاهل أوجه القصور حتى لا نزعج القائمين على إدارة مؤسساتنا؛ فالنقد المسؤول حاجة وطنية ملحّة، والاعتراف بأخطائنا بداية الطريق إلى معالجتها، ولا يعني ذلك أن كل من يرفع صوته يملك قضية عادلة؛ فالعبرة بمضمون المطالبة وأدلتها، لا بارتفاع الصوت.
ولا يكون النقد منصفًا إلا إذا قام على معلومات دقيقة، وراعى العدل، وسمّى الأمور بمسمياتها؛ فهناك فرق بين من يواجه مشكلة ليعين على حلها، ومن يتخذها سلّمًا للفت الأنظار إليه؛ فالأول يضع المعلومة في مكانها ويرحّب بتصويب رأيه، والثاني يستمد حضوره من تأجيج مشاعر الغضب، ويقدّم ما يثير التفاعل على ما تثبته الوقائع، ويبدّل وجهته كلما تغيّر اتجاه الحديث.
ما يدعو إلى الغضب فعلًا هو هذا التناقض: مثقف يتحدث عن احترام العقل، ثم يستخف بعقول الناس؛ يطالب بحرية التفكير، ثم يسخر منا إذا خالفناه؛ يدعو إلى التجديد، ثم يكرر نفس كلامه في كل مقالة ومداخلة؛ يشتكي من قلة القراء وتراجع الإقبال على القراءة، ولا يكتب إلا ما يرضي دائرته الضيقة؛ ينتقد عزوف الشباب عن الثقافة، ولا يذهب إليهم بلغتهم ولا يناقش ما يشغل بالهم؛ ويعاتبهم على عدم متابعته، وهو لم يقدم لهم ما يستحق المتابعة.
نحن لسنا كتلة صامتة ننتظر من يلقّننا كيف نفكر؛ لدينا أسئلة وتطلعات وتباينات، وأجيال تقرأ العالم وتتفاعل معنا بطريقتها الخاصة؛ ومن يستخف بهذا التفاعل يبتعد عن جوهر المهنة التي ينتمي إليها، وعليه أن ينزل من منصة الوعظ، وأن يستمع إليهم قبل أن يحكم عليهم، وأن يعرف أن الناس لا يرفضون الثقافة، وإنما يرفضون خطابه المتعالي الذي يخاطبهم به كأنهم متهمون بالتقصير، ويحمّلهم مسؤولية ابتعادهم عنه.
إن نهضة بلادنا في الاقتصاد والتعليم والتقنية والثقافة والإعلام تتطلب مثقفين يشاركون في صناعة مستقبلها، ويقرؤون تحوّلاتها بعمق، ويكشفون فرصها ومخاطرها، ويحفظون حقنا في طرح تساؤلاتنا، ويواجهون أخطاءنا بالحجة؛ فالوقوف بعيدًا عن هذه التحولات ثم تنصيب أنفسهم حكامًا على وطننا وأبنائه لا يسهم في نهضتنا.
نريدهم حاضرين في المكتبة والمدرسة والجامعة والمنصة، متصلين بالحياة، لا أسرى لمجالس مغلقة أو لغة مستهلكة. نريدهم قادرين على أن يختلفوا من دون أن يتنكروا لمجتمعهم، وأن ينتموا إليه من دون أن يتنازلوا عن ضمائرهم.
يا من تتخذون صفة المثقف، لا تجعلوها درعًا يحميكم من المحاسبة؛ ماذا قدّمتم لوعي الناس؟ وما المعرفة التي قرّبتموها إليهم؟ وأي قضية دافعتم عنها بإنصاف؟ وكم فكرة تراجعتم عنها حين ظهر لكم خطؤها؟ لا تكفيكم صورة في ندوة، ولا لقب على بطاقة تعريف، ولا مقال يلفت الأنظار للحظات ثم يُنسى؛ فصفة المثقف مسؤولية، والكلمة أمانة، والناس غير ملزمين بالتفاعل مع من يعلن عن نفسه مثقفًا من دون أن ينصت إليهم أو يقدّم لهم ما يستحق أن يُقرأ.
إن الثقافة التي نريدها لا تتسوّل الاعتراف، ولا تتعالى على الناس، ولا تتخذ مواقف مستهلكة لتبدو جريئة؛ إنها متجذّرة في بيئتنا، وتنهل من تجارب الآخرين، وتصوغ رؤيتها باستقلالية، ولا تتردد في طرح الأسئلة الصعبة؛ ومن يبتعد عن همومهم، فليسأل نفسه: لماذا لم تعد كلمته تصل إليهم؟
ولا ينبغي له أن يحمّل قرّاءه مسؤولية عزوفهم عن متابعته، فمجتمعنا لا يحتاج مثقفًا يتقمص دور المتعالي على محيطه كي يثبت لنا أنه مختلف؛ يحتاج مثقفًا يملك الشجاعة ليكون مؤثرًا، صادقًا، واضحًا، وقادرًا على الوقوف مع الحقيقة حتى حين لا تجلب له شعبيةً ولا إشادةً ولا تصفيقًا.
فحين تخفت الأضواء عنه، لا تنفعه ألقابه ولا ادعاءاته؛ يبقى أمامهم سجل كلماته ليكشف هل واجه واقعهم بصدق أم استثمر معاناتهم في تلميع صورته؛ فالذي يهرب من قضاياهم، ثم يلومهم على تجاهلهم له، لا يخذلهم فحسب، وإنما يفرّط في أمانة الكلمة ويمنح الجهل مساحة أوسع.
الوطن لا يحتاج إلى من يزاحم أهل المنابر على منابرهم ثم يحتقرهم من فوقها؛ يحتاج قلمًا يواجه الأخطاء، ويُخضِع رأيه للنقاش، ويقف مع الحقيقة أينما تكون، ولو خسر الشهرة والتصفيق؛ أما من اختار الاستعلاء، فليتحمل تبعات غروره، وليكف عن اتهام الناس بالتقصير.


